هناء مكي

زمن التحولات والمدن الذكية

لا بد أن مصطلح «التحول» مر عليك هذه الأيام، فهو مصطلح بات شائعا جدا، وهو يعكس الواقع الحقيقي، ولعله يبرز سمة العصر في إدراك ما كان مستحيلا يوما،قد نشهد يوما التحول لاستنساخ مدينة ذكية كاملة في أحد بلداننا لم نكن نراها إلا في مغامرات كارتونية، أو قد يكون لدينا مدينة كاملة بكل دهاليزها وفلكلورها كمدينة طوكيو أو برلين تكون حاضرة ببلداننا العربية ولا نحتاج بعدها للسفر هنا أو هناك فكل شيء بين أيدينا، من يدري لا غرو نحن في زمن التحولات فائقة السرعة، الزمن يسير كطلقة رصاصة تفوق استيعابنا، والتغيير أسرع منه.فمن التحول الكيميائي والفيزيائي إلى التحول الديمغرافي الى التحول الجسدي والجنسي، إلى التحول الاقتصادي وبعدها التحول الرقمي والتكنلوجي والايكولوجي واليوم التحول الوطني، متلازمة التحول هذه التي نعيشها اليوم كانت لتكون حلما أو إستراتيجية طويلة المدى، قد تكلف أكثر من ربع قرن لتحقيقها، هي اليوم ببساطة تعتبر أكثر عملية مجدية للتنمية والمضي قدما.التحول أكاد أعرفه بأنه الانقلاب السريع للضفة المقابلة التي طالما كانت مهملة يوما أو بعيدة لحد النأي، وفي اللغة هو الانحراف والتغير من حال لحال مختلف تماما.معنى التغيير من «التحول» ليس هذا ما يجعل المصطلح مميزا إنما في التفوق الوقتي ذاته، في سرعة الانجاز بطريقة تفوق التصور، حين أشير إلى من ايدلوجيا إلى أخرى، فيكفينا اليوم برنامج تقني واحد يتم اكتشافه ليغير عالما كاملا وحياة فرد بأسرها.ما الذي يحدث؟!!، نحن نستوعب هذه السرعة وإن كنا لا نجاريها هذه حقيقة، فالأعمال اليوم تتسابق مع الوقت بالاعتماد على المرحلة التي تعتبر (التقنية - التكنولوجيا) أداتها الأساسية، فنحن اليوم في زمن التحول الرقمي «الديجيتل»، فلم يعد «عيب» أن نقول نحن نستوعب عصر «الديجيتل» والتحول الرقمي بل بات مفاخرة، وهذا ما يجب علينا الإيمان به، بدلا من لعن التطور الذي يأتينا جاهزا يجب علينا أن نستثمره بما يتناسب معنا، عشنا سنين نحارب رمزية الكثير من المفاهيم الاقتصادية على أنها لا تتناسب مع ايدلوجياتنا، حتى اضطررنا الى الخضوع لها ولو أننا استوعبناها منذ البداية وشكلناها بمقاييس قالبنا الخاص لبات الأمر أكثر ايجابية.كل ذلك بات يشكل انطلاقة، التحول أيا كان لا يأتي إلا من الداخل، التحول الأوروبي الذي سبق العالم كله لم يأت من فراغ، إنهم يعتمدون على «علمائهم»، إنهم في سباق مع الزمن؛ للخروج من سيطرة الإنسان والدخول تحت سلطة التكنولوجيا بكل «عدالتها»، إنهم في سعي كبير لتحويل بلدانهم لمدن وبلدان ذكية تتحكم فيهم التكنولوجيا لا البشر في كل شيء من البيت للشارع للعمل.في العام 2014 خرج الأوروبيون بمبادرة «هورايزون 2020» هذه المبادرة البحثية التي تشمل نخبة من أكبر العلماء والباحثين والمفكرين، صرف عليها ما يقارب 80 مليار يورو، لتغطي فقط الأبحاث العلمية خلال الأعوام السبعة، هل نتصور ذلك؟! في المقابل فإن حكومات الدول المشاركة فيها تتوقع أن تخرج ببحوث لمشاريع تعود عليهم بربحية مضاعفة، والهدف من هذه المبادرة خلق الجيل الجديد أو الجيل الرقمي «الديجيتل المطور»، وهذا الجيل أيا كان مكتشفه فإنه سيقود العالم اقتصاديا بلا جدل.وعلى سبيل التذكير، فإن الاتحاد الأوروبي الذي وضع رؤيته في العام 2000 على أن يكون قوة اقتصاد معرفية ديناميكية منافسة حتى العام 2010 استطاع بالفعل أن يكون كذلك حتى تدخلت الأزمة الأمريكية عام 2008 لتوقف زحفه وزحف العالم الصاعد، إلا أن الأوروبيين لا يستسلمون.إذن، التحول ليس بالبناء واستيراد التكنولوجيا والتقنيات المتطورة، إنه في العقول المبتكرة والمفكرة والذكية وتبنيها، ونحن على مشارف التحول والرؤى المستقبلية، لنجد للبحوث والدراسات والعقول المبتكرة مكانا هاما نعتمد عليها في تلك المرحلة. لننطلق لمجد التحولات والتقنيات الذكية يجب أن نعتمد على العقل الذكي المحلي.