مرحلة الضرائب حان وقت الدفع
لقد حان وقت الدفع إذن، بتسديده على شكل ضريبة. عمرا قضيناه في الاستفادة من الخدمات والمعاملات الحكومية التي تقدم مجانية وفي بعض الدول بجودة عالية دون أن يدفع الشعب شيئا بالمقابل، واليوم نحن بكل بساطة سندفع قيمة توفير تلك الخدمات بالمجان كالماء والكهرباء على سبيل المثال. البعض يراه أمرا عادلا والبعض متخوف منه بالذات وأن دول الخليج التي تفرط في دعم شعوبها من خلال تلك الخدمات المجانية التي اعتادها المواطن كمسلمات تتحمل تكاليفها الحكومة وتتكفل بها، لذا لا يشعر الكثير بانه يجب عليه سداد ما يعتبره حقا له على الحكومة بعد سنوات طويلة من «الدلال»، فالشعوب الخليجية لا تزال تعاني طفرة الاسعار التي أخلت بميزانيات الافراد لليوم ولكن الأمر واقع ووجب الاستعداد له.شهران فقط يفصلاننا عن التغيرات التي ستطال أسعار بعض السلع بنسبة 5 بالمائة، والتي مقرر لها أن تبدأ مطلع العام 2018، أجل ستتغير معادلات السوق المحلية، سوف ترتفع الاسعار أمر لا شك فيه في عمليات البيع وحتى إعادة البيع، ولعل أكثر العمليات التي من المحتمل أن تعود بفوائدها من الضريبة المضافة هي فوائد نسبتها على عمليات تحويل الاموال التي شكلت ظاهرة لافتة بسبب نسبة التحويلات السائلة من اسواقنا إلى الخارج، حتى أنها اليوم تعد أحد مصادر الدخل القومي في بعض الدول الآسيوية ولعل هذه الضريبة قد تساهم في الحد منها.الكثير متخوف من ارتفاع الاسعار مطلع العام المقبل حين يطبق قانون «ضريبة القيمة المضافة»، فقد اعتدنا وخلال السنوات القليلة الماضية على موجة تضخم الاسعار التي لم تبق سلعة إلا ورفعت سعرها وسط تذمر الناس وشكوتهم، وهنا تكمن الصعوبة، فنحن على وشك الدخول لمرحلة مختلفة عما نحن عليه هذا صحيح، ستزداد شكوى الناس صحيح إلا أننا سنعتاد بالطبع فور ما يبدأ الأمر.على الرغم من أنني أجد أن مثل هذه الضرائب ذات جدوى أكبر في الدول الصناعية، إذ إن مرحلة «ضريبة القيمة المضافة» من شأنها أن تنقلنا من «الاقتصاد النامي البسيط» إلى «الاقتصاد الضريبي» الأكثر تعقيدا حتى على الأفراد، فالكثير وللآن يجهلون ماذا وكيف ومتى ستنفذ الضريبة، والبعض غير مكترث وآخرون لا يستوعبون الأمر، وهؤلاء الذين سيتفاجأون وسيشتكون ويتذمرون.لمن لا يعرف شيئا عن تلك «الضريبة»، ضريبة القيمة المضافة هي ضريبة استهلاك ذلك لأن المستهلك وحده هو من يتحملها بعد سلسلة متابعات لها، إذ يبدأ احتسابها من الجمارك وتنتهي مسجلة في فاتورة المشتري. إذ يتم احتساب قيمة مادية مضافة على كل مرحلة من مراحل الانتاج للسلع التي سيشملها القانون بما فيها البيع وإعادة البيع، على أن يتشارك في هذه الضريبة المشتري والبائع والمُصنع وفي النهاية يتحملها البائع وحده، ويسترجع الباقون أموالهم من جيبه، الأمر مكلف وسيكون من الصعوبة استيعابه منذ البداية حتى لمن عرف العملية واستوعبها، سنحتاج لوقت للتهيئة واستيعاب الناس لها الى حين التعود.في المقابل هناك جوانب إيجابية لا بد من ذكرها ستتسبب فيها عملية تطبيق هذه الضريبة، إذ سيعمل تنفيذ ضريبة القيمة المضافة على تبني تشريعات الضرائب التي ستقوي كثيرا دور المراقبة والإشراف الحكومي في أسواقنا وبالتالي ستكون الحاجة ملحة لأنظمة الحوكمة، وأجهزة رقابة واشراف محترفة، وتقنية عالية، وفريق مدرب وموثوق به، وهذه الأمور قد تشجع على تنشيط التجارة بالذات البينية، ومحاربة الفساد وحماية السوق والمستهلك وتنشيط عدد كبير من الاسواق في القطاع الخاص، أعتبرها مرحلة إعداد ليس للفرد فقط بل حتى للسوق المحلي وتغيير لوجستيات قديمة بأخرى أكثر عصرية ستساهم في معالجة مشكلات كثيرة بالسوق. من جهة أخرى ومع ارتفاع تكاليف المعيشة قد يؤدي ذلك لموجة نزوح للعمالة الأجنبية التي تستولي على 60 بالمائة من الوظائف في بلداننا، وبالتالي تفتح المجال لتشغيل العاطلين من المواطنين، وستنخفض نسبة الضغط على الخدمات والمرافق العامة ما يرفع معدل الجودة.والأهم من كل ذلك، أن هذا سيكون درسا عمليا للفرد الخليجي ليغير من سلبياته، ويكون مقتصدا ومقدرا لعملية الاستهلاك التي يفرط فيها وبطريقة غير عقلانية، نحن بالفعل مقبلون على مرحلة ضريبة القيمة المضافة التي ستغير حتى قناعات وسلوكيات الافراد في مجتمعنا، وستجعلهم يتحملون مسؤولياتهم كاملة ويعيدون ترتيب أولوياتهم، وقد تشجع أيضا على نمو الصناعات الوطنية التي لا تحتاج لمواد مستوردة.