هناء مكي

«بريكس» ومشوار الألف ميل

عقد من الزمن على تأسيس مجموعة «بريكس» منذ العام 2006 والآن هي في مصاف مجموعات الاقتصاد العالمية المؤثرة، باتت أكثر نضوجًا وقوة. كان هدفها الأول منذ تأسيسها الوقوف في وجه الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وحين أصبح الأمر أكثر إلحاحًا بعد الأزمة العالمية، انطلقت أول قمة للمجموعة في 2009، وكانت القمة ضرورة تبيح مشروعية الانعتاق والتحرر ومحاولة الوقوف بعيدًا عن الاقتصاديات الكبيرة والمتسببة في الأزمات، وباتت مطلبًا ذا أهمية مشتركة للدول الصاعدة فشغلها الخوف على مكتسباتها، وشرعت في شق طريق لها بأدواته الثقيلة يكون عونًا وسندًا ونجحت.وبعد عقد من الزمن تثبت بريكس أنها نجحت في هدفها وباتت لها أهداف أكثر نضوجًا فالتحرر ليس من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وحسب، بل حتى من مؤسساتها الدولية كالصندوق الدولي والبنك الدولي والوكالات التي تحت إمرتها، وكان هذا الهدف الذي سعت له الصين بكل ما تملك من قوة فهي كانت صاحبة المبادرة.اليوم الهدف الصيني أكثر عملية وواقعية وهو ما أشار إليه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، خلال كلمة افتتاح القمة التاسعة في الصين قبل أيام حين قال: «دول (بريكس) لديها مهام كبرى لتنجزها وهي نمو اقتصاداتها وتعزيز التعاون فيما بينها، حان الوقت للإبحار عندما يرتفع المد».وفي الوقت الذي تختتم قمة «بريكس» أعمالها بنجاح وتوثق وتعزز أسسها وتحالفاتها بقرارات تمسّ الشأن الاقتصادي والتنمية على بلدانها، كانت الولايات المتحدة الأمريكية مهددة بفقد تصنيفها الممتاز من أكبر وكالتي تصنيف عالميتين هما (ستاندرد آند بورز، موديز إنفستورز سيرفيس) في سابقة هي الأولى من نوعها، في حال عدم التزام أمريكا بسداد ديونها، وهذا الأمر بالطبع يُعتبر نقطة سوداء في تاريخ الاقتصاد الأمريكي وهو يعود للسياسة التي تنتهجها الدولة في الوقت الراهن، وفي الوقت الذي يلوح الاتحاد الأوروبي «الغاضب» بجملة من العقوبات على خصومه متجاهلًا الوضع غير المستقر لاقتصاد بلدانه وبالطبع فإن الغضب الأوروبي مصدره وقراره وشأنه سياسي بالدرجة الأولى وهو ما يهدد بانعكاسات لوّحت بها بعض الدول الأوروبية.تبدلت الأدوار إذن، بريكس الذي يجمع خمس دول ولكنها الأعلى كثافة سكانية؛ إذ تحوي 40 بالمائة من سكان العالم تقريبًا، ويصل إجمالي ناتجها العالمي أكثر من 23 بالمائة، ويوازي الناتج الإجمالي المحلي للدول مجتمعة ناتج الولايات المتحدة (13.6 تريليون دولار) ويبلغ مجموع احتياطي النقد الأجنبي لدول المنظمة 4 تريليونات دولار، فضلًا عن تجارة دول بريكس البينية التى حققت نجاحًا بنسبة تفوق 18 بالمائة من حجم التبادل التجاري العالمي. ونفذت دول المجموعة استثمارات في خارج دولها بما يعادل 128 مليار دولار، بما يمثل 9 بالمائة من الاستثمار العالمي، هو الذي يحرّك نشاطه واستثماره الاقتصاد العالمي.الفرق في الاجتماع الأخير لدول بريكس يأتي بعد البدء في تنفيذ عدد من التوصيات السابقة والمشاريع المتفق عليها، كمشروع بنك الاستثمار الضخم الذي أطلق قبل عام، والتركيز على ضرورات كتحرير التجارة التي يعجبني تركيز المجموعة عليها بطريقة استثنائية، إذ يسعون لتحرير الضرائب والجمارك ما يعني حلًّا جزئيًّا لمشكلة التضخم، وفي حال نجاحهم فنحن مقبلون على انخفاضات سعرية وكذلك تجارة نوعية في الكم والكيف.وفي إطار جهودها للاعتماد على نفسها عن الدول المهيمنة، تسعى دول «بريكس» لتأسيس وكالة تصنيف ائتماني أكثر استقلالية وإنصافًا بالنسبة لها بعد أن تم الاتفاق العام الماضي على إنشاء وكالة تصنيف ائتماني للمجموعة في أسرع وقت ممكن. كما تمّ التوقيع على إنشاء منصة بحوث زراعية لبلدان «بريكس»، وإنشاء لجنة للتعاون الجمركي بين دولهم، ومذكرة تفاهم بين الأكاديميات الدبلوماسية، وإنشاء شبكة للسكك الحديدية تابعة لدول المجموعة.«بريكس» اليوم باتت أقوى تحالف اقتصادي وأكثر قدرة على الاستمرار في ظل الانسجام في الأهداف والدوافع والخطط والرغبة والحماسة في تنفيذها، وفي تساوي الأدوار وتساوي القوة الاقتصادية بين دول المجموعة، وفي ذات الوقت الذي تتراجع أمريكا بعد انكشاف ديونها، والتلويح بخفض تقييمها الائتماني، وذات الوقت الذي يتعرّض الاتحاد الأوروبي لهزات متتالية بدأت باليونان وانسحاب إنجلترا والتهائه بالشأن السياسي والأمني معتمدًا على استقرار الاقتصاد لديه دون جديد.ما يثير إعجابي حقًا في هذه المجموعة أنها كلها لديها سجلات حافلة في الأمم المتحدة من تجاوزات ومخالفات وتردي أوضاعها الأمنية والسياسية والحقوقية وحتى الاقتصادية، وكانت تعاني الفقر وتحديات كبيرة في وقت سابق، ولكنها حاولت وركّزت على تنمية اقتصادها ونجحت، وها هي تحافظ عليه بتكتلات تحرص على قوتها في وقت صعب وتحدٍ مثير. وعليه، يجب أن نبدل سياساتنا نحن أيضاً، فالمجموعة للاقتصادات الصاعدة والتي بات العالم يعترف بها وبعد لقاءات قصيرة ومتفرقة أصبحت خلال بضع سنوات قوة يهابها الاقتصاد العجوز العالمي.