يوما ما ستطير الفراخ من أعشاشها (1)
كانت تلك القرى الهادئة في إيقاع الحياة فيها، إلا من بعض حالات العواصف والفيضانات التي تقلق بال أولئك القرويين؛ خوفا على منازلهم المبنية من الأخشاب، وبعض القش المستخدم للسقوف من الانهيار، وكذلك تحسبا لتضرر المحصول، الذي صرفوا أغلب شهور الموسم في الإعداد له واستصلاحه. لكنهم في الغالب يتمكنون من السيطرة على الظروف الخارجية التي تزعجهم قليلاً، لكنها لا تذهب بتفاؤلهم، وتفاعلهم مع البيئة بإيجابية من حولهم. الشيء الوحيد، الذي لم يتمكنوا من التغلب عليه، هو وجود ذلك الشاعر المعتد بنفسه في ركن الساحة الرئيسة، حيث يبث الكآبة لدى الجموع، التي تتواجد هناك من غير الفلاحين، الذين لا يصرفون وقتا للاستماع إليه. وهو الذي لا يدخر وسعا في أن يذهب إليهم في الحقل، إذا لم يستمعوا إليه مع الجمع، الذي يستسيغ عباراته الموسيقية وإلقاءه الجياش. فقد قال ذلك الشاعر مرة لأحد فلاحي الأرز أثناء زيارته له في بعض سهول فيتنام: كم يتطلب منك من الوقت لإنجاز عملك الضروري في الحقل؟ فأجابه الفلاح: بقدر ما تطعم الطيور صغارها! ثم لم يعلق بعد ذلك بتوضيح أو تفصيلات لتلك العبارة الغامضة، مما جعله حوارا موجعا للشاعر، الذي كان يظن أنه هو المتفضل على أصحاب تلك القرى بفكره، وقدرته على تحليل الأمور. تمتم الشاعر بداخله قليلا، ثم تأمل قول الفلاح بعد انصرافه. لم تكن عبارة اعتباطية من ذلك الفلاح المتمرس، ولم تكن إجابة مباشرة عن سؤال الشاعر المغرور بمعرفته المفذلكة وفلسفته للأمور. وبدأ يتبرم بتلك الأفكار، التي أصبحت تجول في خاطره، دون أن يستطيع حسم أي منها، في كونها الإجابة الموضوعية، فزاد حنقه على ذلك المزارع. فأخذ يردد عبارات استهزاء ظاهرة: يا له من حقير، ذلك الأبله، الذي يظن أنه صاحب فكر لأنه سمع بعض عبارات وأمثال يرددها أسلافه من المزارعين! هل أنا مدين له بالاستمرار في هذا الحوار؟ وهل أنا مضطر للاستمرار في سماع ترهات هذا المزارع البائس؟ أخذت تدور هذه الأسئلة في رأسه... بالطبع لا، بالطبع لا.. أخذ يقنع نفسه بالانسحاب من المحادثة! لكن القضية لم تغادر مخيلته، فبعد أن عاد إلى القرية متجها إلى منزله، حيث لم يفكر في المرور بالساحة الشعبية لتجاذب أطراف الحديث مع جمهوره الذي ينتظره هناك كل يوم، أخذ يفكر كثيرا في تلك العبارة. وهداه تفكيره إلى أن العبارة صادقة، حتى وإن كان يرى أن ذلك الفلاح أحمق، فهي تدل على نسبية العمل وتوابعه، وكذلك نسبية المشاعر وأشراطها. نعم، فوقت إطعام الطيور صغارها، قد يطول وقد يقصر، مثلما أنه قد يكون آلياً يقوم فيه الوالدان بالتناوب على تحضير الطعام لفراخهما، وقد يصحبه حُب واستشعار للذة تلك الوظيفة، فيطول أو يُستطال. وكذلك الأمر لدى الفلاح المتفاعل مع أرضه والمحب لعمله العاشق لكل تفصيلات يومه في الحقل، فربما يُشرك الطيور في إطعام صغارها؛ لأن للأمر اهمية تشبه العملية الإنتاجية، التي يمارس فيها الفلاح نفسه دورة الحياة الطبيعية. لكن المؤكد أن الفراخ ستطير يوما من أعشاشها، وفي الجزء الثاني نتناول استبطان الممكن والمتخيل من وجهة نظر الفلاح البسيط، والشاعر الذي يظن نفسه ماكرا، لكنه أصبح منكسرا منذ ذلك اليوم.