لعلنا نسعى إلى تغيير الألعاب
ربما يتفق عدد من القراء مع مقولة «الطفل أبو الرجل»، التي تقصد بها الذائقة الشعبية أن ما يتربى عليه الأطفال يصبح معتاداً لهم عندما يكونون كباراً، أو هو الفيصل فيما يعدونه لاحقاً من بديهيات الأمور. لذا حرصت كل الأنساق التعليمية ابتداءً من كيان الأسرة ومضامينه التربوية، مروراً بدور التعليم الأولي (حضانة وروضة ومدارس وجامعات في بعض جوانب ترسيخ المبادئ التي تعلمها الأطفال)، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والوعظ الديني في بعض المجتمعات، وأيضاً رموز القدوة في المجتمع ووسائل الإعلام. وما لفت نظري في هذا الشأن هو قضية عدم اهتمام مجتمعات العالم الثالث بكيفية وضع نماذج الألعاب، التي تصنع قيما أساسية في المجتمعات، من خلال تنشئة الصغار على تمثل بعض المبادئ، التي تناسب العصر الذي يعيشون فيه، وتهيئهم للمستقبل الذي ينتظرهم للحياة فيه. فالتركيز لدى تلك المجتمعات هو بالدرجة الأولى على ما يسلي أطفالهم، وما يرغب فيه الأطفال أنفسهم، لا ما يظن الأهل أو المربون أنه مفيد ومناسب لهم، وفي أهون الأمور غير ضار بشخصياتهم، أو مروج لقيم غير مرغوبة في عصرهم. وإذا تجول أحدنا في محلات ألعاب الأطفال، أو في ركن تلك الألعاب في أي من أسواقنا، أو حتى أجال النظر في بعض المدن الترفيهية للأطفال، سيجد أن الغالب منها يحاكي في مظهره أو وظيفته تلك الأدوات المستخدمة فعليا في العنف أو الحروب. وهذا يجعل الأطفال، وهم يلعبون يستخدمون العبارات المناسبة لوظائف هذه الألعاب مع رفاقهم المشاركين لهم فيها، مما ينمي لديهم لغة العنف والتعدي . وقد تذكرت بعض ما كان يحكى عن بعض أمثلة المسائل الرياضية لدى الفلسطينيين، المتمثلة في اتخاذ أعداد اليهود نموذجا في مسائل الطرح، أو مسائلنا العتيدة في دراسة قواعد النحو العربي، من كون (الرجل البلطجي) دائما يضرب (الرجل المسكين) ، في أمثلتهم المتكلسة ، دون تفكير في القيم المصاحبة لاختيار تلك الدلالات. أما مراكز الترفيه، فهي لا تخلو من حلبة صدام السيارات، التي يتلذذ كثير من أطفالنا بالتفنن في توجيه الصدمات إلى بعض اللاعبين الذين يصغرونهم سنا، أو يرون منهم بعض المسالمة. ومن تلك الألعاب ما يرعب الأطفال بصورة قوية أو مفاجئة، وربما لا ينظر المنظمون والمراقبون إلى أعمار من يستخدم تلك الألعاب؛ لأن المكاسب المادية تكون هي المسيطرة على تفكيرهم، والمهيمنة على عملية التنظيم. صحيح أن هناك مجالات أصبحت أكثر اتساعا للأطفال تتمثل في الألعاب الالكترونية، لكنها هي الأخرى لا تخضع لرقابة دقيقة، لا في المحتوى ولا في مناسبة كل منها لعمر الطفل الذي يمارسها. وأذكر في إحدى المرات، عندما نبهت صاحب المحل الذي يبيع تلك الألعاب إلى كون إحداها غير مناسبة لعمر من كان يريد الحصول عليها، أنه رد علي بسخرية شديدة من كون المعول في هذه التجارة هو على ما يرغب فيه الأطفال أنفسهم، وأنه لا مجال للرقابة عليهم، بالرغم من أني أشرت إليه بكون العمر المكتوب على ذلك الشريط أعلى من عمر من يرغب في الشراء. لكن ما دامت رقابة الأسرة غائبة فلا مجال لضبط الأمور.