د. فالح العجمي

القفزة التقنية في السيارات

منذ اختراع المركبات ذات الاحتراق الداخلي، وإحلالها بدلًا من العربات التي تجرها الحيوانات، مع مطلع القرن الميلادي الماضي، والسيارات لا تتغير إلا في تحسينات تحكمها تطورات التقنية الأخرى: إحكام قمرة الركاب، وزيادة الرفاهية فيها، وإدخال بعض وسائل الأمان، وتكييف الجو للحماية من ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها، وتطوير وسائل الملاحة والاتصال والاقتران بالأجهزة الشخصية الأخرى، ورفع مستوى القوة في محركاتها أو الكفاءة في عجلاتها، وغير ذلك مما يحتمه التطور العام في المنتجات الأخرى. لكن آلية استخدام السيارة وانتقالها الميكانيكي لم تتغير كثيرًا، رغم تحولها في حقبة في النصف الثاني من القرن الماضي من النموذج المسمى «العادي» إلى النموذج الاوتوماتيكي، لكنه تغيير في تقنية جزئية، تحقق بعض الراحة للسائقين، وتسهل عمليات استخدام السيارة وصيانتها. أما ما تتحدث عنه التقارير المتخصصة حاليا، من كون السيارات ستتغير كليًا ربما خلال هذا العقد الميلادي، فإنه تغير جذري في طريقة اشتغال السيارة أساسًا، وفي مصادر الطاقة التي ستعتمد عليها في حركتها. والكثير من القراء أو متابعي تطورات التقنية قد سمعوا ربما عن النموذجين الأكثر رواجًا في وسائل الإعلام من خلال مقالاتها عن التطورات المستقبلية. النموذج الأول هو السيارة ذاتية القيادة، وهي التي تعتمد على تحكم آلي مركزي بكل المركبات التابعة لغرفة عمليات رقمية، توجه كل مركبة من خلال تطبيق حاسوبي متقدم ومتقن إلى وجهتها التي يريد مستخدمها أن تتجه إليها السيارة، سواء أكانت سيارة أجرة أو ربما السيارات الشخصية، إن انتشرت هذه التقنية في المستقبل، وأصبحت آمنة ومجدية. والنموذج الثاني - وهو الذي سأتحدث عنه في بقية المقال - هو السيارة الالكترونية، وهي سيارة تحتاج إلى سائق، بمعنى أنها لن تدار آليًا من خلال غرفة تحكم مركزية، لكنها ستعتمد على تقنية مختلفة كليًا، ومصدر مختلف للطاقة أيضاً. وحسب التكهنات التي تقوم بها بعض وسائل الإعلام العالمية، فإن النموذج الثاني هو الأقرب للتطبيق خلال فترة ربما لا تتجاوز سنة ونصف السنة منذ الآن. صحيح أن التجربة لن تعمم في كل بلدان العالم، وستكون التجربة الأوسع انتشارًا في البلدان المتقدمة التي تصنع تلك السيارات، كما هي الحال مع نماذج السيارات القديمة، التي لم تنتشر في البلدان غير المصنعة إلا بعد عقود من انتشارها في الأولى. وقد كانت أهم العقبات الأولى في سبيل انتشار السيارات الالكترونية في السابق هي صعوبة حصولها على الطاقة الكهربائية بصورة كافية خلال استخدامها لمسافات طويلة بين المدن، ما يجعل مجالها الممكن هو فقط في داخل المدن. لكن تلك المشكلة قد حُلت، وأصبحت قادرة على السير لمسافة 500 كيلومتر تقريبًا دون الحاجة إلى إعادة التعبئة. كما أصبح بالإمكان تعبئتها بالكهرباء من قابس سهل الإعداد والتهيئة في المنزل، إضافة إلى إمكان الاعتماد على مصادرها في محطات الوقود المنتشرة على الطريق. ولأن المصنعين يعرفون أن حقبة التحول قادمة لا محالة، فإنهم قد بدأوا في تهيئة مصانعهم لإنتاج سيارات المستقبل، والتحول كليًا في بعض الشركات ذات الملاءة المالية إلى ذلك النموذج. وهذه السيارات، التي وصلت بعض النماذج الاستعراضية منها إلى الأسواق، ستكون أغلى ثمنًا عند اقتنائها من السيارات الحالية، لكنها توفر على صاحبها أسعار الوقود الحالية الباهظة الثمن في كثير من البلدان.