د. فالح العجمي

الروماني العجيب وقطار فيينا «2»

كنا في الجزء الأول من المقالة قد تحدثنا عن ركوبي القطار الخطأ برفقة ذلك الروماني العجيب في سلوكه ووضعه وكلامه، والآن نكمل عن جزئها بين ميونيخ وفيينا. نزلت من القطار الخطأ، فنزل الروماني معي، وربما نعطيه اسم «السلوقي»؛ ليتوافق مع شخصيات المقامة الساسانية، التي قلنا في الجزء الأول أنه يتوافق مع سماتهم. فبعد أن عرفت أن القطار المتجه إلى فيينا يبعد عنا قليلاً، حاولت الإسراع للحاق به، ودون استئذان أخذ السلوقي يدفع إحدى حقائبي مسرعاً، وصارخاً في كل من يكون أمامه، ليبعد عن طريقه، وكنت خجلاً من تصرفه؛ لأن الآخرين لهم الحق في الطريق أيضاً. ومع هذا الاستعجال كانت تفصلنا دقيقتان تقريباً عن اللحاق بذلك القطار. فدلفت إلى المحطة؛ لطلب المعلومات عن أفضل طريقة للوصول إلى فيينا من هناك، وما أن وقفت أتحدث مع الموظف على الكاونتر شارحاً له الوضع، حتى أخرج أوراقه السحرية التي كان يعرضها علي في القطار، وأعطاها للموظف. فاستنكر الموظف ذلك، وقال له: أصلاً التذاكر هذه غير صحيحة. فقلت له: لا عليك أنا أتكلم عن نفسي فقط، فهذه تذاكري. فرد علي: نعم، هذه التذاكر صحيحة، لكن القطار خطأ. وبدأ يبحث لي عن أفضل الحلول، وفي كل مرة ينطلق السلوقي بكلمات المدن السحرية، ليقاطعه والموظف لا يعرف كيف يتعامل معه. فأخذ يشرح لي بأن زميله الذي يتكلم الرومانية في إجازة اليوم، وما دام هذا الرجل لا يتحدث الألمانية أو الإنجليزية أو أي لغة من شمال ووسط أوروبا، فلا مجال للتفاهم معه. وطبعاً الموظف يظن أنه صاحب لي، فقلت له: لا علاقة لي به على الإطلاق، ولا أستطيع أنا أيضاً التفاهم معه، فلماذا تحدثني عنه؟ بعد أن أعطاني تذكرة معدلة لبقية رحلتي، أعطاه جدولاً زمنياً لرحلة فيينا، وهي أيضاً نفس رحلتي، فأوصلته إلى الرصيف الذي ينطلق منه القطار، وأشرت إليه بأن يركب من هذا الرصيف بعد ساعة. ثم دخلت إلى المحطة لأتناول بعض الطعام، وأرتاح من رفقة السلوقي، لكن الأمور لم تسر على ما يرام، كما هو الحال في أحداث المقامات المشار إليها، فعندما أتيت إلى الرصيف قبيل انطلاق الرحلة وجدته عند مدخل الرصيف، فعمدت إلى الالتفاف بالدخول من الرصيف المجاور، لئلا يراني فيبقى معي بقية الرحلة. وياللمفارقة! نتيجة تسللي إلى القطار خلسة وبسرعة لم أنتبه إلى أن القطار هذا أيضاً قد تغير رصيفه، نتيجة تحويلة في مدينة ميونيخ نفسها بين المحطة الرئيسة ومحطة الشرق، التي يمر من خلالها هذا القطار في اتجاهه إلى فيينا. فالحظ وحده أسعفني بكون أحد الصاعدين إلى القطار كان يسألني إن كان الاتجاه سيكون إلى مدينة زاربروكن الألمانية، استغربت من سؤاله، ولكن آخرين في القطار أكدوا كلامه، فنزلت مسرعاً من القطار. وبسؤالي للموظفين في الأسفل، قالوا: نعم أصبح القطار ينطلق من المحطة الشرقية في ميونيخ، ووصفوا الطريق إليها بالقطار الأرضي بعد خمس محطات، ولم يكن يتبقى على وقت انطلاقه سوى خمس دقائق. ترددت ولكني عزمت على التجربة، وانطلقنا اثنان من الآسيويين وأنا بسرعة وركبنا القطار الأرضي، وأدركناه لكونه تأخر عن موعده ربع ساعة. ركبت وسرنا إلى فيينا، وأمام فندقي أجد السلوقي يتمشى، ويضحك ضحكته البلهاء!