عبدالله الغنام

العيد وذو القرنين

أيام قليلة ويقبل علينا عيد الفطر المبارك، بل هي سويعات لأن اليوم أصبح كأنه ساعة من نهار، فالوقت صار يمرق سريعا كأنه طيف من النور. إن كلمة العيد مأخوذ من معنى العود، وهو يعود علينا كل سنة بثوبه الجديد في محاولة منه أن يعلمنا أن الدنيا تجري والوقت يمضي، وأن هذه الدار لا يدوم على حال لها شأن. فلربما تبدل العيد على بعض منا سواء على المستوى الشخصي أو الأسري والاجتماعي، وربما حتى على المستوى الأممي. وقد صدق المتنبي حين قال: عيد بأية حال عدت يا عيد.. بما مضى أم بأمر فيك تجديد.أما على المستوى الأسري والاجتماعي، فأعتقد أنه حان الوقت لوضع تلك الخلافات والمناوشات الصغيرة بين أفراد الأسرة جانبا (ومهما كانت المشكلة، فهي تظل صغيرة قياسا على قيمة الأسرة). ومهما كان حجم هذه الهوة بين أفرادها، فالآن (العيد) هو الوقت المناسب لردم تلك الفجوة.ولا أدل على أهمية قيمة التسامح وبدء صفحة جديدة مما جاء في الأثر «اذهبوا فأنتم الطلقاءُ». وحتى في أقسى الحالات والظروف، فلنا في قصة يوسف عليه الصلاة السلام أفضل دليل قاطع على أهمية الرابط الأسري حتى بعد مرور سنين من المعاناة والألم. وتبدأ الأسرة دائما وأبدا بالوالدين أولا، فلا أعتقد أن أحدا يرضى لنفسه (بل، رغم أنفه) أن يعود عليه العيد وهو في عقوق مع والديه أو أحدهما. ومن هنا ننطلق إلى باقي أفراد الأسرة، فهي اللبنة الأساسية للمجتمع، فلا يعد المرء ناجحا اجتماعيا إذا كان فاشلا أسريا!. ولذلك علينا أن نبدأ بالأقرب فالأقرب لفتح صفحة جديدة مع إطلالة العيد. ولا شك أن الأقربين أولى بالمعروف والوصل والتسامح. وينطبق ذلك أيضا على الأسرة الكبيرة من العالم العربي والإسلامي المثخنة بالجراح النازفة من كل جزء من جسدها. وفي كل يوم نسمع إما عن انقسام أو أزمة وكلها تصب في خانة واحدة وهي الفُرقة والتي حتما تؤدي إلى الضعف. والتاريخ من خلال قصصه وعبره دائما يعلمنا بأننا نكون أقوى حين نجتمع على قلب وهدف واحد. ولنا في قصة ذي القرنين لفتة رائعة عندما قال: «فأعِينُونِي بِقُوةٍ» حيث طلب منهم العون ليكون العمل الجماعي ومن أجل وحدة الصف، ويؤدي ذلك المفهوم الحديث الواضح والصريح «يد الله مع الجماعة». ومع ذلك كله سيظل الأمل والتفاؤل موجودا في الاجتماع كالجسد الواحد سواء على مستوى الأسرة الصغيرة أو مستوى الأسرة الكبيرة. وختاما، أعاد الله علينا العيد أزمنة عديدة ونحن مجتمعون لا متفرقون.