هناء مكي

الهواتف الذكية وأزمة التجارة

تسببت الهواتف الذكية الواردة إلى الولايات المتحدة في ارتفاع العجز التجاري الأمريكي بنسبة 5.2% حتى بلغ نحو 47.6 مليار دولار، وهذا العجز سجل في ابريل الماضي، كما يذكر تقرير وزارة التجارة الأمريكية أن هذه النسبة تشكل أعلى مستوى من العجز منذ بداية العام في الولايات المتحدة الامريكية.وللتوضيح فإن مسمى (العجز التجاري) يطلق حين تتفوق قيمة الواردات من السلع وتتجاوز قيمة الصادرات للدولة.وحين نتحدث عن الهواتف المحمولة فبالطبع نحن نتحدث عن التجارة الالكترونية التي بات الهاتف أكبر أدواتها. يتسيد الهاتف المحمول اليوم السوق الاستهلاكية بامتياز، وها هو يتسبب بخسارة تجارية لأكبر دولة في العالم لتعيد وضع خططها وفقاً لهذه المعطيات المستجدة على ميزانيتها.في الوقت الذي لايزال اقتناء الهاتف الذكي يشكل ظاهرة في دولنا الخليجية (استيراد من غير تصدير)، فبحسب تقارير محلية فان حجم استهلاك هذه الأجهزة من شتى الاسواق بلغ نحو 270 مليار دولار حتى العام 2016. وفي الوقت الذي يؤكد لنا الاتحاد العربي للتجارة الالكترونية أن حصة الوطن العربي من التجارة الالكترونية العالمية بلغت 15 مليار دولار سجلت في العام الفائت من الحجم العالمي للتجارة الالكترونية التي فاقت 23 تريليون دولار عام 2016، ويرى الاتحاد العربي أن حصة الوطن العربي ضئيلة للغاية بالمقارنة، فإن تقرير لمؤسسة بيفورت ذكر ان حجم التجارة الإلكترونية في الوطن العربي تجاوز الـ7 مليارات دولار خلال العام الماضي، متوقعا وصولها إلى 13.4 مليار دولار عام 2020. وأياً كان الرقم فهو يعكس تحركا استهلاكيا سريعا وكبيرا في ظل ما يعانيه الوطن العربي من مشاكل وأزمات اقتصادية.ويمكننا أن نعزي الاقبال على شراء الهواتف الذكية وانتشار التجارة الالكترونية إلى توافر الاجهزة في أماكن التسوق بطريقة عرض مغرية ومتاحة، وأحياناً بطريقة دفع مناسبة، إذ شهد سوق الاتصالات خلال السنوات القليلة الماضية تنافسا غير مسبوق بين شركات الاتصالات المتعددة في ظل انخفاض لسعر تعرفة الاتصال التي كانت تشكل هاجساً كبيراً قبل سنوات حين كانت محتكرة، أما اليوم ومع انفتاح سوق الاتصالات، وتوافر شبكات الاتصالات وانتشارها والتقنيات الحديثة في السرعة والتوصيل ساهم ذلك في تقليل سعر التأجير ومكن الافراد من شراء الاجهزة اللوحية والهواتف المحمولة بسخاء كبير.بيد أن المشكلة لا تكمن في الشراء ولكنها بالطبع تكمن فيما ذكرته في بداية المقال وهي قلب موازين التجارة، فالاعتماد على الاجهزة النقالة والمحمولة جعلنا نمعن في عملية الاستهلاك ببطر فادح، لليوم لم نشهد حتى استنساخ لهاتف محمول واحد لدينا، وهذا الاستهلاك المفرط يتجلى بوضوح عبر اقتناء الاجهزة الذكية بالذات والتي من المفترض انها سلع ثانوية، بدل العمل على تشجيع مشاريع صنع اجهزة ذكية محلية.ولكن ما نقول فقد يكون سعر الهاتف «الوطني» أغلى مضاعفاً من سعر الهاتف المستورد بفارق كبير لتشجيع المنتج المحلي، ما يجعله غير مرغوب فيه أًصلاً، بالمقارنة مع الأجنبي فإن المحلي أقل جودة وأعلى سعراً، في حال افترضنا صنعه محلياً، فهذا ما يحدث بالضبط في السوق الامريكي الذي يفضل المستورد.أجل لدينا مشكلة، نحن بعيدين كل البعد عن خلق مواكبة للاسواق ليست المتقدمة بل الصاعدة، نحن نقلد الافكار البسيطة فقط، ولكننا بعيدون جداً عن الابتكارات والصناعات وحتى التسويق والمنافسة، هناك منافسات ولكنها لاحتضان الوكالات العالمية وشبه العالمية، فنحن نفتقد للورش المحلية والمصانع حتى الصغيرة على الرغم من وجود عقول وطنية جبارة.وعليه، أقترح -ونحن في أعوام يشهد فيها قطاع الاتصالات ثورة في حياتنا واليوم بات يؤثر على التجارة العالمية- أن يكون هناك مجال لتعليم تقنية اجهزة الاتصالات ومجالها، في ورش بالمدارس ومن ثم الكليات، ليخرج لنا جيل يتقن هذه الصناعة كما خرج لنا جيل يتقن ميكانيكا السيارات.