هناء مكي

كوريا الجنوبية وتجربة الصعود

حين نتحدث عن كوريا لابد أن نتحدث عن العمالة الكورية التي كانت تغزو بلداننا الخليجية حتى التسعينيات. ولكن النجاح المبهر الذي تتميز به التجربة الكورية (الجنوبية) حين ابدلت عمالتها الوطنية الى شركات كورية مستثمرة هي اليوم من تعمر بلداننا، لنا أن نتصور ذلك الانقلاب في الحال.حين قُسمت الكوريتان بعد حرب اهلية طاحنة باسم الايدلوجيات توقدت وزكتها التدخلات الخارجية والفرقاء والاصطفافات وقسمت الى شمالية وجنوبية، عانت الكوريتان من ويلات بعد الحرب وكان للجنوبية الحظ الأوفر من هذه المعاناة، اذ لم تكن الارض الكورية الجنوبية تتمتع بالخيرات التي كانت تتمتع بها الشمالية، فهي ارض جبلية وبها شح في الموارد الطبيعية وقد حطمت بالكامل بعد الحرب التي قادتها الامم المتحدة وامريكا في الخمسينيات، وعانى اهلها معاناة عظيمة جعلتهم يطلبون رزقهم في الخارج.في السبيعنيات حيث بدأت الدول الخليجية في الاستقلال وبدأت مشاريعها الوطنية والاستفادة الكاملة من مشاريع النفط، احتاجت لأيدٍ عاملة في كافة سوق العمل، وكان الكوريون أكثر الملبين اذ كانوا يشكلون ايديَ عاملة رخيصة وماهرة وكبيرة.عمل الكوريون في كل شيء في اسواقنا، ولا بد أن نعترف بأنهم هيأوا لنا بنية تحتية وإن كانت مؤقتة حينها، ولكنهم كانوا يشكلون دور«البطانة» الداخلية للمشاريع الخليجية التي لم تكن كبيرة بالمقارنة، في حين كان المواطنون يعملون في القطاع العام.فجأة اختفى الكوريون من ديارنا واستبدلوا بالعمالة شرق الآسيوية المتنوعة، وفجأة مع اختفائهم صرنا نسمع اسماء شركاتهم العالمية: سامسونج، وإل جي، وكيا موتورز وهيونداي، هيوماكس وغيرها، في الوقت الذي ما زلنا نسمي من يشبهونهم من العمالة كالفلبينيين والاندونيسيين بالكوريين لتعودنا.فبعد الحرب وخلال الفترة من الستينيات وحتى التسعينيات عمل الكوريون بالداخل والخارج على بناء بلدهم، فمن هم بالداخل يقومون بالعمران ومن هم بالخارج يحولون الاموال التي يحصلون عليها من عملهم، واستطاعوا خلال هذه السنوات أن ينجحوا في جعل كوريا الجنوبية ليست فقط بلدا جديدا بعد الحرب المدمرة، بل بلد اعتبر من البلدان الاسرع نموا في العالم، وصار قوة اقليمية في مداره، واليوم هو رابع أكبر اقتصاد في آسيا، إنه أمر يستحق التأمل بحق.يرجع سر التفوق الكوري الجنوبي إلى تركيزهم على إعداد الجيل القادم حين ركزوا على التعليم. كان الكوريون يضعون أملهم في أولادهم لذا كان الذين يعملون في الخارج يعملون بكد وتعب ويتحملون كل ألوان الهوان والغربة والفقر حتى يوفروا لأولادهم فرصة تعليم جيدة، وكان الكوريون في الوطن قد مهدوا لذلك من خلال برنامج «اصلاح التعليم» الذي أطلق في الستينيات بهذا الاسم الذي كان يهدف الى تطوير التعليم ومخرجاته، فركز هذا البرنامج على اساسيات ساهمت كثيرا بتطويره منها تقليل تكلفة التعليم واختيار دقيق جدا للقائمين على العملية التعليمية في البلاد، والملاحظ أن اصلاح التعليم كان هما في البلاد يتطور مع تطورها، ففي كل مرحلة يكون هناك اصلاح نسبي للعملية التعليمية في كوريا الجنوبية بعد أن عرفت مدى جدوى هذه الاصلاحات وارتباطها المباشر في الاستقرار ونمو الاقتصاد، وأكثرها جدوى هي تلك التي اعتمدت على فاعلية وشمولية التعليم.لم تتوقف كوريا على عنصر التعليم فقط بل كانت تعتمد كذلك على الايدي العاملة ذات المهارة والتي بعضها عاد من الخارج وهو «استاذ» في مجال مهنته ومهارته التي كانت بلاده تحتاجها بقوة آنذاك، فكما قلت أغلب العاملين في الخارج كانت أعمالهم حرفية وهي الاعمال التي كانت تحتاجها دولة بدأت مشوار اعمارها بعد حرب طاحنة. كما كان للأموال المحولة من تلك العمالة دور كبير في بناء الوطن، فقد استغلتها الحكومة في مشاريع استثمارية ذات فوائد تعود للمساهمين فيها وتعود بالطبع على الوطن، ولأن الحكومة التي كانت تهتم بالنمو الاقتصادي تركز على الصناعات كانت أغلب استثماراتها في مشاريع صناعية بتلك الأموال المدخرة، فاستطاعات أن تعمر البلاد، وان تخلق قطاعا صناعيا أصبح عالميا اليوم، وأن تمنح المواطنين حق المشاركة في بناء البلد وفي الاستثمارات وفي التملك ونجحت حتى خرجت لنا شركات كورية عملاقة. لذا فإن ابناء كوريا الجنوبية اليوم ليسوا مضطرين للعمل في الخارج فهم جيل درس في الخارج وعاد ليكمل مسيرة ابائه واجداده في الوطن الذي كرس له.الحقيقة تقول إن الاموال الخليجية هي أحد المساهمين في بناء تلك الاقتصادات الصاعدة سواء في الهند أو كوريا الجنوبية أو غيرها من الدول التي تشكل نسبة التحويلات المالية للعمالة الوافدة أحد المداخل الاساسية في اقتصادهم، ولكن من المؤسف أننا وبعد كل هذه السنوات لم نستطع أن نشكل اقتصادا قويا ينافس اقتصادهم.