هناء مكي

الإصلاحات دونًا عن النفط

لا شيء جديد، كل ما يحدث اليوم في الأسواق هو أمر متوقع، قد تكون الحركة وحدها هي ما تشد الأنظار وتجعل المهتمين في حالة من الترقب، وعدا ذلك فإن الأمور كما توقع لها تسير وكأنها مستمع جيد لكل تلك التقارير التي تعج بالتنبؤات الاقتصادية.فلم يكن مفاجئا أن يخفض «غولدمان ساكس» توقعاته بشأن أسعار النفط خلال العام الجاري على أعقاب قرار«أوبك» تمديد خفض الانتاج لتسعة أشهر مقبلة، وهو أمر جيد على الرغم من التخفيض المتوقع تلك.الأمر يسير بحسب الخطة التي بدئ العمل بها في بعض دول الخليج، ويعتبر مناخًا جيدًا وتحفيزيًا بعيدًا عن النظرة التشاؤمية التي منينا بها وقادت إلى حالة الركود في أسواقنا، يبقى أن نعمل على الخطط بعيدة المدى وأعني بها خطط الاصلاحات والبنية التحتية التي أصبحت واقعًا وخصصت لها ميزانيات ولجان اشرافية ومجالس كاملة، والتي تأتي أصلًا متأخرة عن وقتها بمراحل ما استلزم حكوماتنا المزيد من الجهد والوقت والمال.هذه التحركات تجعل ما يحدث في الأسواق العالمية بالنسبة لأسواقنا أمرًا عاديًا ولن يتحول إلى أمر طارئ لدينا إلا في حال استفحاله، ذلك لأننا أصلا نعيش خطة المخاطرة التي يعمل بها في الأزمات وهي الخطة البديلة والتي تكون على استعداد لأي طارئ، ولكن مع الأخذ بالاعتبار الاعتماد على البدائل الأخرى التي تحتاج أصلا لوقت لتكون جاهزة في ظل خطة التقشف التي من المفترض تعمل على تثبيت التوازنات - بالرغم من تحفظي على هذا النوع من الحلول والذي يساهم كثيرًا في عملية الركود وبالتالي يقود لمشكلة أكبر- وعليه فإن تذبذب اسعار النفط وانخفاضها هو من ضمن التوقعات التي وضعت نصب العين في الخطة البديلة، وكانت متوقعة منذ عُقد اتفاق تخفيض انتاج النفط في أوبك.التعويل اليوم ليس على أسعار النفط واسواقها، فهناك عدد من التحديات التي قد اسهب الحديث عنها وكانت ضمن النقاط السلبية التي قادت لوضع خطط المخاطرة، بيد أن ذلك يكون -كما اسبقت- حافزًا للبدائل الحقيقية المتمثلة في الاصلاحات الحقيقية، إنما نعول اليوم على المشاريع الانمائية تلك التي بها قيمة مضافة ومشاريع تتطور في المستقبل.وفقاً للمعطيات التي قادتها خطط دول الخليج بعيدة ومتوسطة المدى فإن صندوق النقد يتوقع ارتفاع نمو القطاعات غير النفطية بنسبة 2%، وهو مؤشر جيد جداً في ظل الركود الحاصل، فالنمو يدل على تحرك بحد ذاته يدل على تغيير جدي، كما أن النسبة ليست بالهينة بالمقارنة مع ما قبل، فالقطاع غير النفطي يتمثل غالباً في القطاع الخاص، بيد أن تقرير صندوق النقد عاد ليشير إلى أن النمو غير النفطي سيظل مقيدًا بسبب خطة التقشف إلى حين اجراء الاصلاحات التي وصفها «بالكبيرة» في دول بعينها هي: (الجزائر والبحرين وعمان والسعودية)، بل ان هذه الاصلاحات من شأنها أن تقلص فارق الدين والعجز المالي لهذه الدول بنسبة تتراوح بين 3.5 الى 5.5% وسيعينها تعافي سوق النفط بالتأكيد.الإصلاحات ليست بالأمر السهل، إنها مشوار طويل، وتتبع الخطط الطويلة المدى وتحتاج إلى ميزانية باهظة والى استمرار ومواكبة وكوادر، العملية الاصلاحية تتجسد في اللوجستيات الأساسية، البنى التحتية، التعليم، الصحة، التشريعات والنظم، كذلك المراقبة والشفافية ومحاربة الفساد.مع الاشارة إلى أن توقعات صندوق النقد في هذا الأمر بالذات كانت متوقعة بأن النمو سيكون منخفضًا إلى درجة عدم إتاحة خلق فرص العمل الكافية أو تحسين مستويات المعيشة. وستتحمل كثير من الدول مستويات مديوينة وعجوز عالية، وبالتالي فإن البلدان المصدرة والمستوردة للنفط «تواجه مطلبين ضروريين على صعيد السياسات، وهما ضبط أوضاع المالية العامة والإصلاحات الهيكلية».