دينامية السياسة السعودية من واشنطن إلى موسكو
يعرف الكثيرون رزانة السياسة السعودية وعمقها، وعراقتها، وانحيازها دوما للتروي ومعالجة القضايا بالحكمة والمنطق بعيدا عن ردود الأفعال، وهو المنهج الذي رسمه لها جلالة الملك المؤسس- رحمه الله- منذ وقت بعيد عندما وضع الإطار العام الذي يستمد حضوره من ثوابت المملكة، وحرصها على لعب الأدوار الإيجابية لحماية السلم العالمي، وعدم التدخل في شؤون الغير، إلا أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيزـ حفظه الله- قد ضخ في هذه السياسة إلى جانب ما عُرف عنها من الرزانة والوقار والحصافة، ضخ فيها المزيد من روح الشباب والحيوية عندما قدّم الشباب إلى مقاليد المسؤولية من خلال سمو ولي العهد الأمير محمد بن نايف، وسمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، طبعا إلى جانب معالي الأستاذ عادل الجبير كرئيس تنفيذي للسياسة السعودية بوصفه وزيرا للخارجية، مما أضاف الكثير من الحيوية، ودينامية الحركة للدبلوماسية السعودية. والذي يتابع سجل الرياض اليومي، وما تحتضنه من اللقاءات والمؤتمرات وزيارات الوفود، يدرك أن الرياض لم تعد فقط إحدى عواصم صناعة القرار وحسب، وإنما هي بالفعل عاصمة القمم، وعاصمة التحركات السلمية التي تمسك بعصا التوازن لحماية السلم الإقليمي والعالمي، فضلا عن دورها الإسلامي المشهود. بالأمس- على سبيل المثال- كانت الرياض تستقبل الرئيس الأمريكي في قمم مفصلية لا تزال حتى اللحظة حديث الساعة عالميا، وهاهي الزيارة الهامة التي قام بها مؤخرا صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى روسيا الاتحادية، ولقاءاته ومباحثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول عديد من القضايا ابتداء من الملف السوري وملف التدخلات الإيرانية، إلى جانب توقيع أربعة بروتوكولات تعاون بين المملكة وروسيا الاتحادية، هذه الزيارة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المملكة لا تبني علاقاتها مع الآخرين بحساب الاصطفافات، وإنما تقيمها على أساس المصالح المشتركة، والعمل من أجل تحقيق السلام، ومواجهة المخاطر، وفي مقدمتها الإرهاب، وقضايا التطرف، مما جعلها طرفا دوليا موثوقا في الشرق والغرب، لا يمكن بالنتيجة أن يحسب بهذا الاتجاه أو ذاك، لأن السياسة السعودية استطاعتْ وبكثير من الكفاءة أن تستوعب في علاقاتها المتعددة الجميع بما يخدم مصالح الأمتين العربية والإسلامية.