السعودية تحولات مرحلية لافتة
تحول كبير ومفاجئ ما تقوم به المملكة العربية السعودية من سياسات جريئة متتالية منذ مطلع العام الحالي، إنها تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي، فهي أكثر الدول استجابة لملاحظات بعثة صندوق النقد الدولي، ويبدو أن نشر ميزانية المملكة الربعية هي الأكثر مفاجأة وأكثر جرأة وجدية في آن وهو عنوان عملي للمراحل القادمة التي تعلن عن تحول المملكة لسوق قد يكبر وينشط ويكون أكثر حيوية.إعلان ميزانية المملكة الربعية ولأول مرة وخلال وضع ليس بالسهل مالياً في ظل وجود عجز وتعثرات، هو أشبه بمراهنة خطيرة بالذات وكثير من البلدان تراجعت سياسة الشفافية والحوكمة لديها بعد الأزمة العالمية، وجميع الدول شرق الاوسطية تعاني مشكلة في هذا الأمر، أضف إلى ذلك أن سياسة المملكة هي ذاتها تعتبر من السياسات المتحفظة، ومن هنا كانت المفاجأة التي تعلن عن تحول حقيقي وجاد.كل شيء بات مختلفا فهو جيل الشباب والتحديات، ما هي إلا بضع سنوات وستكون المملكة محطة النشاط الاقتصادي في الشرق الاوسط وهذا الامر ما ننتظره منذ زمن، فهي تمتلك كل المقومات لهذا الأمر فقط ما ينقصها هو اللوجستيات التي بدأت منها اليوم. اشاد صندوق النقد كثيرا بما قامت وتقوم به المملكة من تحولات مرحلية «فعلية» لم تقف عند قلم وورق «الرؤية» المعلن عنها، والتي جاءت متأخرة عن شقيقاتها الخليجيات، بيد أن الخطوات الفعلية قد سبقت الجميع ووضع الميزانية بكل حيثياتها أمام أيدي الجمهور بكل تفاصيلها الخاصة خطوة لم يجرؤ على فعلها أي بلد عربي. بعد الرؤية كان لبرنامج «التوازن المالي» تأكيد على المضي نحو الاصلاحات «الحقيقية» ومنها توسعة الطبقة المتوسطة من خلال تمكين محدودي الدخل، والنساء والقطاع الخاص واصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، عبر فكرة تحسين الرعاية الاجتماعية والآثار الاقتصادية، وعلى الرغم من ارتفاع الدين العام جراء هذه الاصلاحات إلا أنها تصب في مجرى سينعكس بقوته على مستقبل المملكة، فاتساع نطاق الطبقة المتوسطة سيساهم في حماية اجتماعية واقتصادية كبيرة في السنوات التي ستبدأ فيها التخلي عن الاعتماد على النفط، هي تصنع اليوم ما تعتمد عليه في المستقبل، وستسعى به للحفاظ على مكانتها وستساهم بالمشاريع الصغيرة التي ستحمي الاقتصاد.وفي اشادتها -بعثة صندوق النقد الدولي- بخطوات المملكة ومرحلة التغيير الجدية هذه، قالت في تقريرها إن: «الحكومة بدأت تحقيق تقدما طيبا نحو تحديد وإزالة العقبات أمام نمو القطاع الخاص، بما في ذلك تقصير فترات التخليص الجمركي، وتيسير بدء المشروعات، والاقتراب من استكمال القانونين الجديدين بشأن الإفلاس والرهن التجاري. وينبغي مواصلة هذه الجهود بالتعاون مع مجتمع الأعمال. ومن المتوقع إعلان مزيد من الإصلاحات في الشهور القادمة لدعم القطاع الخاص، بما في ذلك برنامج طموح للخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تقليص دور الحكومة في الاقتصاد... وتخضع البنوك لمستوى جيد من التنظيم والرقابة، وقد نجحت مؤسسة النقد العربي السعودي في إدارة ما نشأ من مخاطر في القطاع المالي على مدار العام الماضي. وتبذل هيئة السوق المالية جهودا لتطوير أسواق رأس المال المحلية، وهي جهود تستحق كل الترحيب ومن شأنها إتاحة فرص أكبر للتمويل والادخار في الاقتصاد المحلي».طبعا هذه الخطوات المرحلية التي بدأت ولم تنته منذ بداية العام تأتي في إطار التحول نحو اقتصاد حر وقوي، والاقتصاد مربوط بالمجتمع والدولة، لذا لا بد من حزمة الاصلاحات التي تكون قاعدة صلبة يمكنها الثبات في حال المرور بأي أزمة، فنحن نتكلم عن اقتصاد حر غير مربوط بقطاع كالنفط وغيره.الشاهد أن هذه الخطوات «الحقيقية» يجب أن تشجع الدول الخليجية جميعها بالاحتذاء بها، بيد أني متفائلة فلا بد أن تكون السعودية قدوة وعليه سينعكس على شقيقاتها وقد ندخل في مرحلة الاتحادات الحقيقية يوماً ولكن الامر يحتاج لتوازنات ويعمل به في أقرب وقت.اللافت أن لجيل الشباب هذا الحضور القوي والمفعم بالمخاطرة المطلوبة، إننا نشهد دخول مرحلة نوعية لا يمكن غض الطرف عنها، والسبب هو ثقة الشباب بما يستحق من تغيير، والاقتصاد يحتاج لهذه القوة والدفعة للتغير، لذا كان الحديث دوما عن اعطائهم المسؤولية ليبدعوا، جيل الشباب من الوزراء قادر على أن يعطي هذا التغيير الملزم في هذه المرحلة المهمة.التغيرات الادارية، والشفافية وجعل الشعب على اطلاع بما يحدث والاصلاحات وتوسعة الطبقة المتوسطة في البلاد وتمكين الافراد ذوي الدخول المحدودة كلها تجعل المجتمع شريكا للحكومة في مواجهة الازمة والتغلب عليها بعبء أقل وبثقة أكبر والمضي نحو التغيير الشامل واللازم والمقبول.