موسم المغفرة والرحمات أم بيع السلع والمنتجات!!
بينما يهم الدعاة على المنابر في توعية الناس لتهيئة النفس والأسرة لدخول رمضان والاستعداد له واستثماره في الطاعات والعبادات، وتغيير العادات، خاصة في الإنفاق وحفظ الأطعمة وعدم التبذير، انطلقت من جهة أخرى الحملات التسويقية في جميع الاتجاهات، خاصة للسلع الغذائية والاستهلاكية، فلا تكاد تغمض عينيك عن واحدة إلا وترى الأخرى ظهرت أمامك حتى وصلت إعلاناتها إلى باب منزلك وعلى نافذة سيارتك وفي هاتفك الجوال مما صرف ذهن البعض إلى متابعتها ومطاردتها في كل مكان قبل نفاد الكمية. تنتعش هذه الأيام وبصورة مضاعفة عن بقية أيام العام جميع أسواق المواد الغذائية؛ نظرا لثقافة المجتمع وعاداته الخاطئة المتمثلة في عمليات الشراء الجائرة، التي تشعرك عند دخول هذه الأسواق أن هناك حالة حرب، وأن اليوم هو آخر يوم للتسوق ولا فرصة بعده، إذ لا تكاد أن ترى يدك لو أخرجتها بسبب كثافة الازدحام والسباق على ما فوق الأرفف. هذه الثقافة حفزت بعض التجار وأقول البعض منهم على تقديم العروض الترويجية الهائلة التي قد تكون فخا في بعض الأحيان لتصريف السلع ذات الصلاحية قريبة الانتهاء، وكذلك السلع الرديئة المستوردة والمضرة بالإضافة للعروض الوهمية. وذلك معطوف على رفع أسعار سلع أخرى دون أن يشعر بها المستهلك، بل ووضعت أكبر التخفيضات على أبرز عناصر الجذب من السلع، خاصة ما يبحث عنه الكثير... مشروب التوت الأحمر السحري. والمتأمل في هذه العروض المخفضة فقط في رمضان قد يلوح له في الأفق أمران، إما أن هذه الشركات تتجه خلال هذه الفترة للبيع بخسارة من رأس المال بهدف تصريف السلع في ظل احتدام المنافسة الحادة، أو أنها تبيع بأسعار مبالغ فيها وبأرباح هائلة طوال العام وأن قيمة السلع الحالية والمخصصة لرمضان فقط هي القيمة الحقيقية والمنطقية والعادلة التي يجب أن تباع بها السلع في جميع الأوقات لولا جشع البعض منهم. وهذا الأمر لا ينحصر قصرا على أسواق المواد الغذائية فحسب، بل يشمل بعض الشركات الأخرى كالسيارات والأجهزة الإلكترونية والمنزلية وغيرها، التي حولت المفهوم الديني لرمضان «شهر الخير» إلى شعار ترويجي لحملاتها التسويقية. تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الفترة من كل عام مقاطع الفيديو، التي يرصد ويوثق من خلالها المواطنون والمقيمون بعض التجاوزات والتلاعب في الأسعار لدى بعض أسواق المواد الغذائية، الذي يعد بلا شك من الممارسات المخالفة للأنظمة، ويضع صاحبه تحت طائلة المحاسبة القانونية. من جهة أخرى، تتجه الأنظار إلى وزارة التجارة والاستثمار ودورها في الرقابة على الأسواق والحد من مخالفة الشركات. ولا نغفل جهود الوزارة الحثيثة في محاسبة كل مَنْ يخرج عن مسار التجارة النزيهة ومعاقبتهم وفق النظم واللوائح، إلا أن حجم السوق يفوق طاقة استيعاب الوزارة ومراقبيها. لذا اتجهت الوزارة لمنهجية العمل بذكاء أكبر من خلال توظيف المواطنين كجزء من منظومة الوزارة وتفعيل دورهم في مراقبة السوق وذلك عبر تطوير تطبيقها الإلكتروني الذي أطلقت عليه «تقديم بلاغ مخالفة تجارية»، الذي يتيح للمستهلك تسجيل المخالفة التجارية التي يلاحظها وكذلك إضافة الصور على البلاغ لدعم تسجيل الحالة المخالفة، بدلا من نشرها عبر تويتر وغيره. هذه المبادرة ما زالت تحتاج إلى تكثيف الحملات من الوزارة عبر وسائل الإعلام؛ لتعريف المستهلكين بذلك التطبيق ودورهم التشاركي مع ضرورة مضاعفة جهود الوزارة في الوقوف على تلك الحالات ومعالجتها مباشرة، وكذلك فتح المجال للمتطوعين للمساهمة في هذا الدور كأحد الحلول لمشكلة قلة المراقبين الميدانيين. بل أرى أيضا ضرورة مساهمة وتعاون بعض القطاعات الأخرى في الدولة؛ لدعم وزارة التجارة وإعطاء الصلاحيات اللازمة لها للتعامل اللحظي والآني مع المخالفات التجارية كالأمانات والبلديات وغيرها من الجهات. وعلى صعيد آخر، ومن الظواهر الرمضانية المتكررة ينتشر الباعة الجائلون في الحدائق وقرب الشواطئ وعلى الطرق وفي الأحياء لبيع المنتجات الغذائية المعدة منزليا وكذلك الأطعمة التي تعد في حينها. وبعيدا عن العاطفة والمشاعر فإن الكثير منها لا يراعي معيار سلامة الغذاء، حيث لا نعلم مصدر تلك المواد ولا مستوى النظافة ولا هوية مَنْ خلفها في حالات التسمم -لا قدر الله- خاصة أن كثيرا من هؤلاء الباعة لا يملكون تراخيص نظامية مما يستوجب تكثيف الحملات عليهم وإزالتهم من تلك المواقع العشوائية. ولتقنين هذه الظاهرة الرمضانية أقترح تخصيص مواقع محددة موسمية وبتصاريح تجارية مؤقتة للأفراد وللأسر المنتجة التي ينشط عملها التجاري في رمضان وتقديم كافة التسهيلات اللازمة لهم تحت الرقابة المستمرة للخروج بحلول مناسبة تراعي أهدافهم التجارية وكذلك السلامة الغذائية... ولنتدبر أمرا مهما أن رمضان هو شهر الصيام والطاعات وليس موسم تصريف السلع والمنتجات.