د. حسن العالي

سياسات المالية العامة الذكية

تتطلب الظروف الراهنة -حيث يتعاظم ترابط الاقتصاديات العالمية بما في ذلك الاقتصاديات الخليجية بحكم انفتاحها الكبير في جانبي الصادرات والواردات والاستثمارات- حلولا جديدة أكثر ابتكارا، وهي ما يسميها صندوق النقد الدولي سياسات المالية العامة الذكية. ويعني بالسياسات الذكية أنها سياسات تسهل التغيير، وتسخر ما ينطوي عليه من إمكانات النمو، وتحمي المتضررين منها. وفي حين أدى الاقتراض المفرط ومستويات الدين العام القياسية إلى الحد من الموارد المالية المتاحة لدى الحكومات فإن سياسات المالية العامة الذكية أصبح واجب عليها أن تحقق المزيد بموارد أقل. ونستعرض هنا باختصار أهم هذه السياسات مع مقاربتها للأوضاع المالية والاقتصادية في دول المجلس.أولى سياسات المالية العامة الذكية التي ينصح بها الصندوق هي أن تكون مضادة للاتجاهات الدورية. ففي أوقات العسر، يتم تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق لزيادة الموارد لدى الشركات والمستهلكين، وفي أوقات اليسر، يتم تخفيض الإنفاق وزيادة الضرائب. وللسياسة المالية العامة دور أكبر في تحقيق الاستقرار الاقتصادي اليوم مقارنة بالسابق؛ لأن البنوك المركزية في كثير من الاقتصاديات المتقدمة خفضت أسعار الفائدة حتى تكاد تصل إلى الصفر وأشرفت السياسة النقدية على الوصول إلى حدودها القصوى. وفي الظروف العادية، ينبغي أن تعتمد سياسة المالية العامة المضادة للاتجاهات الدورية على «أدوات الضبط التلقائي»، أي على النفقات والإيرادات التي يمكن أن تتكيف مع ما يمر به الاقتصاد من فترات صعود وهبوط. ومثال ذلك تأمينات البطالة. ففي فترات الهبوط الاقتصادي، يصبح من فقدوا وظائفهم مؤهلين تلقائيا للحصول على إعانات حكومية. ولكن أدوات الضبط التلقائي تلك قد لا تكون كافية في البلدان التي تشهد ركودا طويل الأمد والتي بلغت أسعار الفائدة فيها أدنى المستويات الممكنة، مثل اليابان. وفي مثل هذا الموقف، يمكن أن يكون التحفيز المالي المؤقت أداة فعالة في كسر دائرة التراجع التي يتعاقب فيها النمو المنخفض والتضخم المنخفض والدين المرتفع.ولكن استخدام سياسة المالية العامة لتمهيد تقلبات الدورة الاقتصادية لا يكون ممكنا في كل الحالات. فعند مقارنة هذه السياسة مع أوضاع دول المجلس يلاحظ انها اعتمدت مزيجا من السياسات لتحفيز الاقتصاد. وعلى سبيل المثال، تعرضت المملكة العربية السعودية لانخفاض كبير في الإيرادات من جراء انخفاض سعر النفط الخام بأكثر من 50% بعد الذروة التي بلغها في عام 2011. لكنها سعت للحفاظ على وتيرة الإنفاق لتحفيز النمو وبنفس الوقت تخفيض العجز عن طريق إعادة هيكلة الدعم وتنويع الإيرادات والرسوم. وقد بدأت المملكة تحقق نجاحات بدليل الإجراءات الأخيرة بإعادة العلاوات الوظيفية. ومن المتوقع أن ينخفض عجز الموازنات العامة الخليجية المجمعة بنحو 150 مليار دولار أمريكي في 2017 و2018. ومن صفات السياسات المالية العامة الذكية هي أن تعمل على احتواء الجميع كما يصفها صندوق النقد الدولي. فقد كانت العولمة والتغير التكنولوجي محركين أساسيين للنمو والتقارب بين البلدان. وتم انتشال أكثر من مليار فرد من الفقر المدقع منذ أوائل الثمانينات، ومعظمهم في الصين والهند. وفي نفس الوقت، زاد عدم المساواة في توزيع الدخل في كثير من البلدان. ففي الاقتصاديات المتقدمة، زاد أعلى 1% من الدخول بمعدلات سنوية تقارب ثلاثة أضعاف الزيادة في دخول بقية السكان على مدار العقود الثلاثة الماضية. لذلك تعتبر الضرائب والإنفاق العام أدوات فعالة لضمان العدالة في توزيع ثمار النمو داخل كل بلد. وهنا تلجأ معظم الدول إلى تصميم برامج دعم تذهب مباشرة لمساعدة الأسر المحتاجة وتتجنب سياسات الدعم المعمم. كما تركز على تحسين فرص الحصول على التعليم والتدريب والخدمات الصحية، بالإضافة إلى التأمينات الاجتماعية. وفي الحقيقة، فإن تجربة دول التعاون في تصميم مثل هذه البرامج لا تزال حديثة، حيث كانت تعتمد بصورة أكبر على برامج الدعم المعمم مثل دعم أسعار البنزين والمواد الغذائية والكهرباء وغيرها. وقد لجأ بعضها في الآونة الأخيرة لتقليل الدعم لكنه أيضا شمل الجميع. ومثل هذه السياسات مطلوب مراجعتها. وأخيرا ومن بين صفات السياسات المالية العامة الذكية هي أن تكون حذرة. فقد أوضحت الأزمة المالية العالمية أن الماليات العامة معرضة لمخاطر كبيرة غالبا ما تقدر بأقل من قدرها. فعمليات الإنقاذ للبنوك والركود الاقتصادي العميق وصلا بالدين العام في الاقتصاديات المتقدمة إلى مستويات غير مسبوقة في فترات السلم. وتحتاج الحكومات إلى فهم أفضل للمخاطر التي تتعرض لها وإلى اعتماد استراتيجيات لإدارتها. وتقدم الصين مثالا لأهمية السياسات المالية الحذرة. فقد ارتفع الدين في الصين بسرعة بالغة في العقد الماضي – أسرع من أي اقتصاد رئيسي آخر. وتدرك السلطات الحاجة إلى تخفيف وتيرة تراكم الديون والحد من المخاطر المالية. ومن شأن التبكير بمعالجة هذه المخاطر أن يحسن آفاق النمو القابل للاستمرار على المدى المتوسط إلى الطويل.