عيسى الجوكم

الشهيل.. بلا ألقاب!!

أهز جذع قلمي، وأرسم في لوحة (دالي) جزيرة البوح كي استضيء بأحرف النثر تارة والشعر تارة أخرى، لرجل لم يقرب من مدحه، ولم يدر وجهه لمن انتقده، وكان فضاء رحبا في رحلة الـ50 عامًا، منح الآخرين حرية النقد، وأفسح لهم الطريق دون أن تعيقهم مطبات اصطناعية تفرمل أناملهم وتبعثر حروفهم وتبتر سطورهم في كل المناصب التي تبوأها.الرحلة الممتدة من رمال الصحراء الذهبية إلى بحر الخليج مازالت تجوب مدن العطاء، فلا الرياح في الرمال أوقفتها، ولا الأمواج في البحار أتعبتها، فحولت الأولى من أرض قاحلة لبستان ورد، واستخرجت من الثانية اللؤلؤ والمرجان في مسيرة رجل مات فيه (الأنا) ليحيا (المجتمع).من يمنح صمته بردية الوقت، ومن يقرأ ملامح وقاره، يدرك أن ثرثرة الإطراء المذمومة والممقوتة في مواقف شتى، محمودة في نهر عطائه الممتد لأكثر من نصف قرن من الزمان، فلا المديح يوفيه حقه، ولا الذم ينقص من هيبته، فهو أشبه بنار على علم، وفنار مضيئ في عتمة الليل.يرتسم المجد على خارطة مشواره جبالًا شاهقة لم تعرف اليأس يومًا، وصحارى ممتدة في أفق الفكر المتفتح، وبحارًا من العطاء سارت بسفن الخير المحملة بشراع المحبة، حتى الحدود في هذه الخارطة كانت تقسم البذل للجميع، وتطرح المهاترات جانبا، وتضرب بيد من حديد للإعوجاج، وتجمع كل ما يصبو له الطموح.نبض يتجدد كلما تقدم به العمر، وأيقونة عمل تحول الألم الى أمل، وساحة التقاء حتى للأطراف التي تعد كخطين مستقيمين لا يلتقيان في المعادلة الرياضية، فهو الشخصية الهلالية الوحيدة التي تمناها ودعاها الرمز الراحل عبدالرحمن بن سعود للعمل بنادي النصر، ولهذه الحكاية في الهلال والنصر عنوان لم يتكرر وموقف لا ينسى.وما بين الرياض والدمام قصة اسمها (سكة الحديد) ربط مسافاتها الطويلة اسما وعملا في كافة المجالات عبر قطاري الهلال والنهضة سائرا على قضبان زرقاء في سماء صافية من الغيوم، فسجل مع الأول أكثر الانتصارات وأغلاها آسيويا ومحليا ووقع على أثمنها (كأس المؤسس) وتسيد الأزرق أكبر قارات العالم عندما كان نائبا للرئيس.وعندما وجد مارد الدمام طائرا بدون أجنحة في مواجهة الجار فارس الدهناء مد له يد العون ليكون ديربي الشرقية صاحب لون وطعم ورائحة.لا زمن فاصل في مسيرته، حتى كتابة تاريخ عطائه لا تحده الجغرافيا مكانا وزمانا، ولم يقتصر توهج عطائه لأندية المال والجاه والجماهير، ولم يتوقف عند المجنونة كرة القدم فقط، فلو استرجعنا عقارب الساعة ودققنا النظر في يد النور (الظاهرة) التي تكوش على كل الألقاب في الوقت الراهن، وفتحنا بعض دفاترها القديمة لوجدنا أن عطاءه في بداياتها كان الشمعة التي أضاءت لها طريق الانتصارات والتكريم المستحق، واسألوا العبيدي ومنصور مصلي عن ذلك العطاء المتدفق، باختصار يداه عندما تمتدان لا تنظر لردة فعل إعلامية أو جماهيرية، بل كانت لتنمية رياضة وطن.من حقه أن يشهق بالكلام، لكن وقاره يمنعه من أن يرفع الصوت، فهو الشمعة ومازال.. وهو البذرة التي أسست للكثير من المعاني الجميلة في مرافق عدة أدبية وثقافية ورياضية، وسجلت باسمه مبادرات وأولويات أصبحت فيما بعد عناوين هامة لتكريم المبدعين والمتميزين، وحتى لا يطول المقام في السرد والشرح فقد كانت لجنة التكريم بالمنطقة الشرقية التي ترأسها لإقامة مهرجانات الاعتزال للنجوم عنوانا أول في المملكة وليس الشرقية فحسب، وجائزته لتكريم المتميزين في الألعاب المختلفة حكاية أخرى من الأفكار الخلابة.هذا المساء يهتز الصمت وتتفجر اللغة وتتطاير شظايا الوفاء هنا وهناك لهامة وقامة اسمها فيصل الشهيل، وفخامة هذا الاسم تكفي لنكتبه بدون ألقاب فهو كماء يبرق من صفاء السريرة والعلانية، في حفل بهيج يكتظ ليس بحضور البشر من أمراء ومعالٍ ونجوم، بل بحضور طاغٍ لدقات قلوب صادقة لرجل كل المراحل عرف بطيبة وأخلاق اتسعت للجميع دون تمييز بين كبير أو صغير بين غني أو فقير.. هو (أبو منصور) وكفى.