المظهرجية..
أصحيح أن بعض الأمنيات تتآكل؟ يبدو ذلك!الكل يتمنى ويرغب ويبحث عن شيء ما يخصه سواء في أماكن تخصه أو لا تخصه؛ لأن نظامه هناك «حلم» يجب أن يتحقق حتى لو احترقت أحلام أخرى لأجله.يحاول أن يلبس أحدهم من ملابس غيره حتى لو لم تكن تتسع له أو تناسبه، فقط، لكي يكون مثله.هكذا بدأت حكاية المظاهر لدينا وتنتهي بما ابتدأت به، تذكرته الذي يريد تأخير دفع إيجار شقته؛ لأن أقساط سيارته الفاخرة قد أثقلته وسيحل القسط القادم قريبًا، وعرفته ذلك الذي يطلب بعض الدين لأنه يريد إقامة حفلة كبيرة في مكان فخم، ومر عليهم ذلك الذي بدأ معاملة القرض البنكي لسفرة الصيف المقترب، وجاء إليه مهرولا أليس لديك بعض المال سيدفع لأحدهم فهو محتاج جدا يريد شراء الجوال الجديد الثمين، وتذكرته هو وزوجته وابنتيه راتبه 4800 ويسكن في وحدة بحي ذهبي كما يقول إيجارها 31 ألفًا لم يسدد منها إلا بشيء من صدقات وزكوات الناس التي تظنه مستحقا، وعلمته ذلك الأب الذي أشغله ابنه بأن يشتري سيارة جديدة بمئات الآلاف وهو يردد ابني لن يكون أقل من غيره حتى لو «تسلفت». وهي التي لهثت خلف تبكير «الجمعية» مع زميلاتها لكي يتسنى لها شراء تلك الساعة المعتبرة من المكان في الزاوية المميزة بالسوق «الواو».هي وهو، وهم وهنّ، لم تكن القضية في الجنس أو اللون أو الحال أو الواقع أو الأمنيات، بل كانت القضية «المظهرجية» والتقليد، الموضة، التنافس، تضخيم الأنا، كلها ليست أعداء الجيوب فقط، بل هي أعداء العقول، وهي أدوات الفقر الجديدة التي قلبت موازين الرشد والتعقل إلى ميول الإفلاس النفسي، وهزيمة الذات، نعم هو الآخر يهزم الآخر بما ينافسه فيه، بل إن قانون الناس والتبعية هو المعيار حتى لو فاق التكلف كل مستوى واستوطن الحمق كل رأس، حيث يتساقط البعض في مشكلات كبيرة وكثيرة لأجل تلبية بعض الرغبات، والأمنيات المعطلة على حساب علو النفس والعقل، ويخسرون الكثير من دينهم، ومكانتهم، ومصداقيتهم لمقابل رخيص ينطوي تحت «ألا أكون أقل من غيري» حتى لو كان حقا أقل، ويدفعون ما لا يطيقون ليحصلوا على ما لا يناسبهم.ويبقى القول: إنه فقر المظاهر، فالبعض مستعد أن يظهر نفسه فقيرا محتاجا ليلبي رغبات أكبر من حاجته ومطالبه، والبعض غلبهم الهوس بالمظاهر والتقليد فوضعوا أنفسهم في خانات الضيق والبؤس والتذمر، فكانت مساحات عدم الرضا بنعمة الله وقسمته واسعة، وتكررت.. من يجهل أن الرضا هو نصف الحياة، والتدبير هو نصف المعيشة فقد أصبح فقيرا لن يغتني إلا بالتذلل والكذب.