د. حسن العالي

دول التعاون والانتقال إلى الوحدة الخليجية

في افتتاح أعمال اجتماع اللجنة التحضيرية الدائمة لمجلس هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية، الذي عقد الأسبوع الماضي في المنامة، قال الأمين العام لمجلس التعاون، إن الهيئة تعمل على وضع برنامج اقتصادي هدفه الأساس هو «تحقيق الوحدة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون بحلول عام 2025م، وذلك انطلاقا من الاتفاقية الاقتصادية لمجلس التعاون، وبما يتوافق مع الرؤى والتوجهات والإستراتيجيات الوطنية للدول الأعضاء ورؤية خادم الحرمين الشريفين لدول مجلس التعاون الخليجي للانتقال من حالة التعاون إلى حالة الاتحاد. وسواء أخذنا بالخلفية التاريخية والحضارية والثقافية المشتركة لدول التعاون أو بالنظر لتحديات الحاضر أو بتطلعات المستقبل لأبناء هذه الدول، فإن كافة هذه العوامل تؤكد على ضرورة تطوير تجربة مجلس التعاون الخليجي، خصوصا أن مشاريع التقارب والتكامل المنصوص عليها في الاتفاقية الاقتصادية يتم العمل على استكمالها ونعني بذلك السوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي، وبالتالي، لا بد من توفير البيئة القانونية والرسمية للانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل. وتنص المادة الرابعة من النظام الأساسي لدول مجلس التعاون الخليجي والتي تحدد أهداف المجلس على أن أحد أهداف مجلس التعاون الخليجي هو «تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها». وقد يبرز السؤال هنا ما هو شكل الوحدة التي سوف تتبناها دول المجلس.. وهل ستكون كونفيدرالية أم فيدرالية؟ الفيدرالية تعني الاتحاد الطوعي بين أقاليم تجمعهم أهداف مشتركة ومصير مشترك. ولم يتفق فقهاء القانون العام في العالم العربي على مصطلح موحد للمصطلح الإنجليزي State Federal فهناك من يطلق عليها ((الدولة الاتحادية أو الاتحاد المركزي أو الدولة الفيدرالية أو الاتحاد الفيدرالي وغيرها من التسميات)) والفدرالية ليست حديثة العهد إنها فكرة قديمة ولكن تطبيقاتها ظهرت للوجود في العصر الحديث في عام 1787 في أمريكا وفي أستراليا عام 1901 والمكسيك عام 1917، وسويسرا عام 1948 وتوجد في العالم اليوم أكثر من 30 دولة اتحادية. أما الكونفيدرالية فهو اتحاد بين دولتين أو أكثر من الدول ذات الاستقلال التام بعد عقد معاهدة تحدد الأغراض المشتركة التي تهدف الدولة الكونفدرالية إلى تحقيقيها ويتمتع كل عضو فيها بشخصيةٍ مستقلة عن الأخرى وتديرها هيئات مشتركة.. تتكون من ممثلين من الدول الأعضاء لتحقيق الأهداف المشتركة وهذه الهيئة تسمى الجمعية العامة أو المؤتمر وأعضاؤها يعبرون عن رأي الدول التي يمثلونها، وتصدر القرارات بالإجماع، وتعتبر نافذة بعد موافقة الدول الأعضاء عليها. وفي تجربة الاتحاد الأوروبي، والذي تأسس في العام 1992، فإن من أهم مبادئه هو نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية. لكن تظل هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة. لذا لا يمكن اعتبار هذا الاتحاد على أنه اتحاد فيدرالي حيث إنه يتفرد بنظام سياسي فريد من نوعه في العالم. وللاتحاد الأوروبي نشاطات عديدة، أهمها كونه سوقا موحدا ذا عملة واحدة هي اليورو. ويعتمد الاتحاد الأوروبي في بنيته التنظيمية على 3 أجهزة إدارية تعرف بما يسمى المثلث الإداري وهي مجلس الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي. ويعتبر مجلس الاتحاد الأوروبي من أهم الأجهزة الإدارية في الاتحاد (على الرغم من تقليص صلاحياته لصالح البرلمان الأوروبي) ويقوم بتمثيل مصالح الدول الأعضاء على المستوى الأوروبي. وله صلاحيات واسعة ضمن المجالات المتعلقة بالركيزة الثانية والثالثة كالسياسة الخارجية المشتركة والتعاون الأمني، لكنه لا يمكن أن يقرر في مسائل متعلقة بالركيزة الأولى إلا بناء على طلب من المفوضية الأوروبية. ويملك البرلمان الأوروبي بعض الصلاحيات التشريعية ويعتبر الجهاز الرقابي والاستشاري في الاتحاد الأوروبي ويراقب عمل المفوضية الأوروبية ويوافق على أعضائها، ويشارك بوضع القوانين، ويصادق على الاتفاقات الدولية وعلى انضمام أعضاء جدد. كما يملك صلاحيات واسعة في ما يتعلق بالميزانية المشتركة للاتحاد الأوروبي. ويتكون البرلمان بموجب معاهدة نيس من 785 مقعدا، موزعة على الدول الأعضاء بشكل يتناسب مع عدد سكانها. يقوم مواطنو كل دولة من الدول الأعضاء باختيار ممثليهم في البرلمان ابتداء من العام 1979 عن طريق انتخابات مباشرة تتم كل 5 سنوات. ولو عدنا لدول التعاون، فإن مجلس التعاون يعتبر تنظيما إقليميا منذ قيامه رسميا بتوقيع رؤساء الدول الست الأعضاء على النظام الأساسي للمجلس في اجتماعهم في أبوظبي يوم 25 مايو 1981. وكما هو واضح من النظام الأساسي، فإن مجلس التعاون الخليجي هو تنظيم وحدوي أقرب للكونفيدرالية من الفيدرالية، فقد اتفقت دول المجلس على تحقيق الوحدة في الجوانب الاقتصادية بشكل أساسي، لكن لن يكون نفس الموضوع بنفس الدرجة في الجوانب السياسية، بل إن كل دولة سوف تحتفظ بسياساتها وجيوشها الخاصة في إطار من التنسيق والتعاون. لقد كان ميلاد مجلس التعاون لدول الخليج العربية نبتا لعمل وحدوي خليجي في المستقبل، يتوقف نموه وصلابة عوده، على قوة مسيرة مجلس التعاون وما حققه من إنجازات منذ إنشائه حتى اليوم على طريق التكامل بين أعضائه. إن الهدف الوحدوي لدول مجلس التعاون لم يكن غرسا لهذه الأرض الخليجية فحسب بل كان وما زال وسيظل ثمرة وهدفا لهذه الدول مجتمعة في مجلس واحد، نص نظامه الأساسي في ديباجته وفي مادته الرابعة على أن من أهدافه تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها.