هناء مكي

العامل الخليجي في يوم العمل

حين أتحدث عن يوم العمال، أحتاج أن أتحدث عن العمال أنفسهم، وللأسف حاولت الحصول على نسبة ولو تقريبية عن معدل «العمال الخليجيين» في بلداننا الخليجية مجتمعة، ولم أستطع حتى من خلال منظمة العمل العربية ولا مركز الاحصاء الخليجي الذي يضع احصائيات كل بلد على حده. ولا أقصد بالعمال هنا القوى العاملة من الموظفين والأكاديميين والإداريين والمستشارين وأصحاب الأعمال، بل أقصد بالعمال أولئك الكادحين في الأرض كدحا، العاملين بأيديهم. والعمال هم نتاج الثورة الحضارية، تلك الأيادي التي بنت الدول الحديثة بناء جعل اليوم بلدانهم من أكثر البلدان حضارة وتقدما وتطورا، هم أولئك الذين كانوا يعملون وكأنهم سخرة خلال النظام الإقطاعي الطبقي، وبعد الثورة الصناعية باتوا يعملون بساعات عمل تمتد بين عشر إلى ست عشرة ساعة، هم من أوجدوا قانونا للعمل بقوتهم في السوق.حين أتحدث عن العمال، أتذكر عجائب الدنيا السبع، التي بنيت بأيدي حرفيين مهرة، ولكن للأسف هم سخرة، عمال كادحون يعملون إما للحصول على أجر زهيد يعينهم أو لإرضاء النبلاء الذين يمتلكونهم كعبيد ولم يعرفوا أنهم يبنون عجائب بقيت منذ صنعتها أيديهم إلى اليوم لتمثل لنا نابغة عمرانية غاية في الدقة والإبهار، ولم يتجرأ عصرنا الحديث بكل ما تتيحه له التقنيات والتكنولوجيا من مجاراتهم، إنها أيديهم التي خلدتها، ولكن للأسف لم تخلد أسماءهم. حين أتحدث عن العمال أتذكر الثورة الصناعية التي بدأت بأيدي المزارعين الأوروبيين والإنجليز تحديدا، فقد كانت الزراعة وهي الحرفة المتاحة حينها. كان العمل شاقا على المزارعين الإنجليز مما حدا بهم إلى ابتكار الأدوات والآلات التي تساعدهم في عملهم في الأراضي الشاسعة ومن ثم إلى ابتكار الآلات التي تحتاج إلى وقود وهذا الوقود يقبع في بطن الأرض عبر استئصال الفحم أي يحتاج لعمال مناجم، إنها الأيدي العاملة التي تتوفر لتحريك الآلات، ولتحريك وسائل نقل العمال، ولتحريك المصانع التي كبرت، وقادت لثورة صناعية وأوطان صناعية، وحضارات قوية. حين أتحدث عن العمال فإني أتحدث عن الكادحين في الأرض العاملين المجهولين وراء كل إنجاز عظيم وتقدم حضاري، وليس عن العاملين لساعات عمل محددة في وسط المكاتب المكيفة وهم يرتدون الثياب النظيفة ويقرأون الصحف اليومية ولديهم الوقت الكافي والحرية الكافية للنظر إلى هواتفهم وشرب القهوة. بل عن أولئك المرهونين بنوبات عمل شاقة ممنوعين من أي حرية لحين انتهاء عملهم وحين ينتهي فإنهم في حاجة ماسة للراحة، لا وقت لديهم للترف ولا أموال لديهم لضياعها. حين أتحدث عن العمال في بلداننا الخليجية، أتوق لأن يكونوا قوة مشابهة لتلك التي صنعت يوما حضارات وبنت اقتصادات متينة وقادت تطورات بأيديها، فلدينا قوى عاملة شغوفة بالعمل، لدينا كوادر عمالية تستحق الإشادة، لدينا شباب مبتكر ولديه حماسة وولاء عظيم للوطن، لدينا كل المقومات لصنع حضاراتنا بأيدينا، بدل الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة لبناء بلدنا وصنع تنميتنا. ينقصنا فقط التشجيع على الحرف اليدوية، ماذا لو كانت رواتب الحرفيين أفضل، لكانت نظرة المجتمع لهم أكبر وصار عملهم طموح الأجيال، ولبنينا لأنفسنا شخصية وطنية وحضارة ننتمي لها بابتكار شبابنا. إننا نستنزف ثرواتنا الحقيقية، باعتمادنا على الأجنبي في مهن «عمالية» بات اليوم يستخف بها، لأنها مهن شاقة وتستنزف الوقت والجهد، ولكنها مهن ذات جدوى. فحين تصل دولنا لحد الاعتماد على النفس فلن نجد من يعمر وطننا في وقت لاحق غير ابنائنا، لنهيئ لهم ذلك..