هناء مكي

العقول التقنية

هناك سوق تنافسية تكبر وتتوسع في منطقتنا ويجب الاشادة بها، هذه السوق النامية في قطاعات بعينها كالصحة والتعليم تستغل التقنية في نجاحها على الرغم من احتياجنا الشديد ليس للتقنية فحسب، بل للبحوث والنظريات العلمية التي تعزز من قطاعات في مجال الكشوف العلمية قاطبة، إلا أن الصعود على المراحل أحيانا -وبالذات في الاقتصاد- أمر به العديد من النجاحات.اعتبر الاستعانة بوسائل التقنيات نوعًا آخر من الذكاء البشري لم يعد الجد بالعمل يوازي انحصار المهارة في العقل المنكب على الكتب والنظريات والمختبرات وممارسة التجارب الشخصية والاكتشافات الذاتية والتبصر في النظريات العلمية والخروج بكشوفات وبحوث ودراسات تفيد الانسانية وحسب- فهذه الأمور تحتاج لصفات فردية تتميز بها فئات نادرة من البشر- ولكنها في كل الأحوال تحتاج للتشجيع الحكومي والدعم. أما اليوم فقد أنتجت لنا عقول تقنية الفارق بينها أن الأخيرة تجيد استخدام وسائل التكنولوجيا وعلى اطلاع بآخر الاختراعات التي وصلت لها كبرى الشركات في القطاعات التي تعنيها ولديها القدرة المادية لاقتنائها.الفرق شاسع وكبير بين مكتشف ومقتنٍ يقتنص الفرص، اننا في عصر المشاريع ولا عزاء للعقول التقليدية، فالفارق بين عيادة اسنان لطبيب مجتهد ومستشفى اسنان يستخدم احدث التقنيات التجميلية، كالفرق بين «الدكان» و«الهايبر ماركت»، أجل أنت لا تستغني عن المحل الصغير ولكن المحل الكبير الذي يجلب لك كل المنتجات ويضعها بطريقة مرتبة ويعرض اسعارها بوضوح يشجعك على الشراء بصورة أكبر حتى المنتجات التي لا تحتاجها، اذن الغاية هي تقديم «رزمة خدمات» أو «عرض متكامل» وكما نقولها بلفظها الانجليزي «package»، إذاً لم تقتصر العروض الكاملة وسلع الخدمات على الترفيه فحتى الحالات المرضية والتعليمية بها تلك الترويجات التي تنحدر لوصف «صفقات العروض» والسبب كثرة المشاريع والاستثمارات في سوقنا الصغيرة المحلية، فهناك ما يقارب ثماني مدن طبية في الخليج توفر أرقى الخدمات الطبية وتجلب أكبر الاستشاريين الطبيين في العالم وذلك ناهيك عن المستشفيات الخاصة والعيادات الصغيرة والصيدليات المختصة التي توفر كذلك الاستشارات الطبية. وبحسب تقرير لألين كابيتال فإن الانفاق في قطاع الرعاية الصحية بدول الخليج تخطى حاجز 550 مليون دولار في العام 2015.هذه التجارة تجني مئات المليارات من استثماراتها في البلدان الخليجية والسبب يعود لاقتنائها أحدث الاجهزة التقنية التي تشخص وتعالج المستهلك المريض، قد صنعت لنفسها سوقاً حين كونت لها الحكومات الخليجية ارضية ولوجستية متينة جداً وفتحت لها المجال والمكان للاستثمار، ولكن لا يمنع ذلك وجود النقص في التطوير البحثي، فل ايقتصر الأمر على أن نوفر افضل التقنيات واحدثها بل نوفر المهارات المحلية من خلال قاعدة تعليم وجيل متعلم يحب العلم ويحرص عليه من خلال توفير جميع الوسائل التي تحفزه لذلك، ولعل البحوث والدراسات والنظريات العلمية هي ما ينقصنا حتى نقوم باستبدال التقنيات الاجنبية بعقول تقنية.هذا الأمر يقودنا للمتاجرة في التعليم، فما نجح من صفقات القطاع الطبي، لا ينجح في قطاع التعليم وجعله سلعة تباع وتشترى وقطاعا خاضعا للمتاجرة فيه، انتشار المدارس والجامعات الخاصة لا يعني بكل الأحوال تحسن التعليم الذي يحتاج إلى اصلاح عميق من الصغر، ادخال الابناء مدارس خاصة لا يعني بالمطلق أن ذلك يضيف لعقولهم قيمة أو قدرة على أن يكونوا اذكياء وعباقرة ويغيروا العالم بنظرياتهم. الأمر ليس سلعة نشتري أفضلها لنوفر على انفسنا جودتها، الجودة ليست بالاداة في حالة التعليم إنما في الفرد نفسه الذي يحتاج إلى منهج ومتابعة وإدارة مدرسية وطنية وليست تجارية.ففي الوقت الذي ذكر فيه أحد التقارير الاقصائية أن حجم سوق التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي بلغ 45 مليار دولار من اجمالي سوق التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن تقريرا حديثا لـ«غلوبل» يقول إن دول الخليج التي تنفق ما يقارب 17.5 بالمائة من ميزانيتها العمومية على التعليم هي الأعلى عالمياً، تعاني من مشكلة انخفاض جودة مؤهلات العاملين والمناهج التعليمية فيها، لذا لا تعد الجامعات والمدارس الخاصة فيها مطمعا لأبنائها.في عصر التقنيات نحتاج لتأهيل عقول تقنية قادرة على جعل اسواقنا مزدهرة، في عصر التقنيات نحتاج لتنشئة جيل واع وليس جيل «نسخ ولصق»، لذا فإن التعليم يجب أن يكون تحت حضانة الدولة مباشرة، ويجب أن تطوره تطورا كاملا يتناسب مع المراحل، إنه وقت العمل والتأسيس، وذلك باختيار مسؤولين ذوي جهوزية للعمل على تحقيق هذا الأمر.