منافسة القطاع الحكومي للقطاع الخاص
تعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص يحظى باهتمام كبير من القيادة تماشيا مع الرؤية المستقبلية للمملكة، فعملية التنمية الاقتصادية تعتمد بشكل كبير على جمع وحشد كافة إمكانيات المجتمع بما فيها من موارد وخبرات القطاعين على أساس تكاملي وليس تنافسي، والدور الحكومي يكمن في اتخاذ القرار ورسم السياسات، أما دور القطاع الخاص فيبرز في تنفيذ المشاريع والمشاركة في أدائها، وفي هذا المقال سأتحدث عن توجه غريب وغير صحي بدءا بالازدياد تدريجيا منذ فترة، فبعض الجهات الحكومية التي يتمحور دورها في تقديم خدمات للمستفيدين بدأت بمزاحمة القطاع الخاص ومنافسته في تقديم الخدمات في تعارض واضح لتوجهات رؤية المملكة ٢٠٣٠ والتي من خلالها سيتم العمل على إصلاح الهيكل التنظيمي الاقتصادي للمملكة كما ذكر قائد الرؤية سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله.برامج الخصخصة والشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص تعتبر أهم الأدوات الاقتصادية في برامج الإصلاح الاقتصادي، والفرق بينهم يكمن في أن الخصخصة تتمثل في البيع المباشر «الجزئي أو الكلي» للأصول الحكومية من خلال طلب عروض أو مزاد أو لمستثمر إستراتيجي، أما الشراكة بين القطاعين فتكمن في تقديم الخدمات «إلى أو بدلا من» القطاع الحكومي، ويكون الغرض هو تقديم الخدمات للمستفيدين مقابل اتفاق معين، وللمملكة تجارب عديدة ناجحة في هذا الجانب بالرغم من محدوديتها.من المفترض أن تكون العلاقة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص علاقة تكاملية تشاركية وليست تنافسية كما نشهده من بعض الجهات، فالمنطق يقول إن الفترة القادمة هي فترة نحتاج فيها لتنمية الشراكة بين القطاعين وليس العكس حتى لا ندخل في منافسة غير عادلة، وهذا التوجه التنافسي بدأ منذ سنوات قريبة بحجة التحكم في المصاريف والتكاليف المالية للجهات الحكومية، وبالرغم من اقتناعي بهدف ترشيد المصروفات إلا أنني لا أتفق مع التوجه لمزاحمة ومنافسة القطاع الخاص مما ينتج عنه بيئة غير تنافسية لكليهما. رؤية المملكة من خلال مضمونها نجد أن نجاحها يعتمد بشكل كبير على القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية الوطنية من خلال علاقة تشاركية وتكاملية مع الجهات والمؤسسات الحكومية، ونصت الرؤية على أهمية زيادة الشراكة بين القطاعين من خلال مواصلة تسهيل تدفق استثمارات القطاع الخاص ورفع مستوى التنافسية ومراجعة الأنظمة ذات العلاقة بتسهيل بيئة الأعمال وذلك من خلال تطبيق المعايير العالمية المتبعة قانونيا وتجاريا حتى نصل لبيئة مشجعة للاستثمار على المدى الطويل، وحتى نحقق هدف الوصول بمساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي من 40% إلى 65%.القطاع الخاص يحتاج خلال الفترة القادمة إلى دعم حقيقي وليس إلى تنافس قد يضر به ويقلص من دوره التنموي والاقتصادي المهم، ومن خلال دعم القطاع الخاص وتعزيز العلاقة معه سنجد أن العديد من القضايا الاقتصادية التي نواجهها ستتلاشى تدريجيا ومن أهمها قضية البطالة، وأنا على يقين بأن العديد من المبادرات لو قامت بعض الجهات الحكومية باحتضانها والاهتمام بها من خلال علاقة تشاركية مع القطاع الخاص سنصل من خلال ذلك إلى فتح فرص وظيفية تطويرية عديدة.هيئة تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة وهيئة الترفيه تعتبران مثالين واقعيين من أمثلة لبعض الجهات الحكومية التي تنافس القطاع الخاص في دوره بتقديم الخدمات، ولو بادرت تلكما الهيئتان في دعم القطاع الخاص بدلا من منافسته لوصلنا إلى مرحلة هامة في تنوع الأعمال بالمملكة وتشجيع البيئة التنافسية، ولذلك أتمنى من مسؤولي تلك الهيئات إعادة النظر في توجه المنافسة والتمكين.ختامًا: حتى نصل لعلاقة تكاملية بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص من المهم أن تكون البداية بالتفرقة بين مفهوم «المنافسة والمزاحمة» ومفهوم «الشراكة»، ومن ثم العمل على مفهوم تمكين القطاع الخاص بدلا من القيام بدوره وذلك من خلال توفير تنظيم فعال يشجع الاتصال التكاملي بين القطاعين ويقلص المصالح التنافسية، وأيضا من المهم العمل على بناء ثقة متبادلة وذلك بدعم المنشآت السعودية بدلا من التحجج بضعف جودتها ومخرجاتها والتوجه للتعاقد مع المنشآت الأجنبية.