الصناعة القديمة
سميتها الصناعة «القديمة» لأنها هي أكثر مهنة أجادها العرب في جزيرتهم منذ فجر تاريخهم حين وضع الله بيته العتيق في ديارهم، وصار مقصدًا للناس يحجون إليه من كل فج عميق، وأقصد بها «السياحة» ونظام الترحال والرحلات حتى بات للعرب متمثلين في «قريش» حينها برنامج كامل طيلة العام نستطيع أن نسميه بلغة العصر «استراتيجية»، ويتكون في الأساس من رحلتين هما رحلتا «الشتاء والصيف» وما بينهما موسم الحج، فأسسوا له لوجستيات غاية في المتانة وكونوا من أجله التحالفات والائتلافات حتى نجحوا نجاحًا كبيرًا وصاروا سادة العرب وكبار تجارها، فمن موسم الترحال ووفود الناس استطاعوا أن يتمرسوا في التجارة، ومن التجارة صنعوا لهم الطرق التجارية في الشمال والجنوب، ودخلوا مع القبائل في طول الطرقات والواحات المؤدية، دخلوا في اتفاقيات أمنية وسياحية كتلك التي توفر لهم الضيافة الكاملة طيلة رحلتهم.هذه السياحة التي تفرعت منها المهن الأخرى حينها لم تنجح لو لم تدخل في أحلاف وائتلافات كهذه التي نطلق عليها اليوم التكتلات والاتحادات، بل ان ذلك انعش صناعتهم، فموسم الرحلات تلك بات ينعش اقتصاد العديد من القبائل الأخرى والأفراد، انها صناعة كاملة لو نستحضرها ونمعن فيها، ونجاح كبير ذكره الله في كتابه العظيم.ما الذي اختلف اليوم، لدينا المقومات ذاتها وأكثر ما ينقصنا استراتيجية مشابهة لنظام الائتلافات والتكتلات فقط، فشعوبنا من محبي الترحال مازالوا ولايزال السفر يشكل لهم متعة وحبا وحرية وترفيها، كل ما نحتاجه هو لوجستيات لتكون صناعة بدل أن تكون قطاعا. صناعة توفر من خلالها مهن وتشغل قطاعات وتوظف عاطلين ويزداد الأمر في مواسم بعينها.وأبسط ما يمكن توفيره للتشجيع على البنية التحتية في هذه المرحلة هو مشروع إصدار التأشيرة الموحدة، بعد أن تأجل مشروع السكك الحديدية والقطار الخليجي، إلا أن الفرصة لاتزال قائمة لخلق صناعة يمكن الاعتماد عليها في الدخل القومي.فما هي القطاعات التي من الممكن أن تدخل في صناعة السياحة اليوم ومن شأنها أن تقود التنمية في البلدان الخليجية؟ فبالاضافة إلى السياحة والتجارة والصناعة لدينا قطاع الضيافة والطيران والاتصالات والتقنيات والمواصلات والخدمات وأخرى عديدة.هذه القطاعات تحتاج للاهتمام فقط وللتوسعة والشراكة مع القطاع الخاص لاستحداث مشاريع نوعية ومبادرات وبرامج وموارد بشرية مدربة، إنها تحتاج لأن نفتح للرساميل فرص استثمار فيها على أن تكون مبادرات مركزها اتحاد خليجي واحد يمكن من خلاله أن نحقق مردودا ونجاحا أكبر، فالمساحة والموقع الجغرافي والمنشآت والأماكن السياحية في دولنا الخليجية كلها تشكل عاملا مهما في مثل هذه المشاريع إن ترابطت، لذا فتأمين البنية التحتية السلسة والتي تعمل بالتقنية الحديثة في المعابر الجوية والبرية والبحرية (ان استحدثت) عامل جذب للسائح الخليجي الذي يشكل اليوم أهمية للدول السياحية التي تعتمد على هذه الصناعة اعتمادا كبيرا، وتعتبر تجربة دبي شاهدا على ما أقول، فقد عزز نمو حجم القطاع السياحي خلال العام الفائت بعد أن جعل 80 بالمائة من الخليجيين وجهتهم نحوها، في حين خسرت دول مثل لبنان وتركيا بعد أن تراجع السياح الخليجيون عن جعلها وجهتهم الرئيسية.وبحسب التقارير السياحية، فإن الخليجيين لهم مزاجهم الكلاسيكي الخاص في السفر والذي بالطبع يكلف نسبة انفاق عالية من خلال حجزهم للفنادق الضخمة والمطاعم الكبيرة والتسوق في المحلات المشهورة، فهم يركزون على الوجهات السياحية المتميزة، مثل هذه الدراسات يجب أن تؤخذ في الحسبان لتساهم في أن يخلق للمزاج الخليجي عامل محفز لجعله يفضل السياحة البينية، فيوفر له ما توفره دول يفضلها لذلك.