ضمان الاستقرار المالي في الصيرفة الإسلامية
حين كنت أقرأ أو أحضر مؤتمرات عن الصيرفة والبنوك الاسلامية قبل سنوات، كنت أردد في نفسي «وما الجدوى من التشريعات والمعايير المصرفية التي تمتهنها المصارف الاسلامية؟!، فهي تمثل نسبة صغيرة أمام سيل البنوك التقليدية الجارف، وأحسب أنها إلى تقلص». وفي أحد لقاءاتي الصحفية بأحد المصرفيين الكبار في المصارف الاسلامية، كان حينها للتو بدأت تنتشر فكرة الصيرفة الاسلامية، سألته ما الفرق الحقيقي بين المنتجات التقليدية والمنتجات الاسلامية المالية، فأجاب قائلا: «الفرق أن المنتج الاسلامي يباع ويشترى كسلعة، أي المال مقابل شيء حقيقي وموجود كالأصول، بينما التقليدي هو يبيع ويشتري ورقا»، حينها كنت أجد أن بيع الورق أكثر يسرا وسهولة وهو ينتشر بخفة ويقبل به دون تعقيدات تذكر، ولكن بالطبع دون ضمانات، بينما أجد أن الأصول تعيق عمليات البيع والشراء اليسيرة في القطاع التقليدي، لذا باشرته بالتعليق، «تحتاجون لوقت لترسيخ هذه القيمة، هي ليست سهلة ويمكن أن تطمرها السنوات»، أجل قطاع المال التقليدي هو أشبه ببيع سمك في البحر، لذا فإن الازمة المالية اسقطت ورقة التوت تلك، فبدا النظام المالي العالمي هشا وسريع السقوط، بينما الاسلامي هو أكثر تعقيدا وأكثر تمحيصا في عمليات التداول في زمن السرعة.ولكن ها هي تلك الصناعة تثبت أنها جديرة بالانتشار عالميا والاعتماد كنوع أكثر استقرارا وأمانا في هذا القطاع. فقبل اسبوع أعلن صندوق النقد الدولي عن اهتمامه بالصيرفة الاسلامية حين عقد في بداية الشهر الماضي مناقشات للخروج بمقترحات حول الدور، الذي من الممكن أن يلعبه الصندوق في هذه الصيرفة الاسلامية، وهو اعتراف رسمي بها، بعد أن اثبتت جدواها في أعتى أزمة مالية ضربت القدرات المصرفية في العالم وهوت بأعرق بيوتها، بل إن بقاء مراكز المال في منطقتنا دون ضرر جسيم كان بسبب الأمان، الذي اتسمت به أصول البنوك الاسلامية التي تكاثرت في المنطقة.الفرق بين الصيرفتين الاسلامية والتقليدية، أشبه بجذور نخيل واقفة تقابلها أشجار زينة قد ارتمت في عاصفة حقيقية، فقد أكسبها ذلك ثقة السوق الدولية، وها هو صندوق النقد وبعد طول تردد بسبب قلة أصولها المالية يأخذ بالمبادرة، أجل شفع لها طابعها المعقد وأسلوبها الرصين والدقيق والعميق والاحتواء المالي واعتماد الأصول أن تكون بتلك الجدارة رغم أن حجمها المالي لا يزال نسبيا ومحدودا، (تشكل 2 بالمائة فقط من الصيرفة العالمية)، إلا أن تعقيداتها كانت سببا في حمايتها.إذ تعترض صناعة الصيرفة الاسلامية عدد من التحديات، التي تحول دون انطلاقها عالميا وحتى جماهيريا وعلى مستوى المجتمع الاسلامي ذاته، فهي شديدة التعقيد إلا في بعض المعاملات، التي يتم الدمج فيها بمعايير تشريعية توازن بين التقليدي والاسلامي لاكسابها المرونة، ولكن يفقدها شرعيتها الاسلامية وجوهرها.ولا يمكننا لومها بأي حال ذلك لأننا لانزال يحكمنا الاطار التشريعي للصيرفة التقليدية وفق نظام دولي مقنن لا يمكن تخطيه، وبالتالي فإن يدا واحدة يستحال أن تصفق. لذا تأتي مناقشات واقتراحات صندوق النقد الدولي حول الصيرفة الاسلامية ودورها في تعزيز الاستقرار المالي والتشجيع عليها، بأهميتها الكبيرة والبالغة في جعل هذه الصناعة أكثر مرونة بضوابطها واستقلالا بشرعيتها وصبغتها الذاتية، ويمكن أن تكون أكثر قدرة على الانتشار والازدهار والتقليل من الاستغلال والربا وتيسير القروض بتوازن يشجع الطامحين -بالذات صغار اصحاب الاعمال- ويجعلهم أكثر اطمئنانا للاقتراض.