د. فالح العجمي

حمى الاستهلاك والاستحواذ

كان الإنسان في مراحل حياته الأولى مكتفيًا في كل شؤون حياته بما يكفيه من المقتنيات، سواء تعلق الأمر بسكن أو مأكل أو ملبس، أو حتى التعامل مع بقية عناصر البيئة من حوله والكائنات الأخرى التي يتقاسم معها موارد الحياة. ومنذ أن تحول في مراحله الوسيطة من إنسان صياد يجري خلف الطرائد ليحصل منها على قوته إلى إنسان جامع لقوته أكثر مما يحتاج في يومه، أصبح حرصه على أن يراكم كل ما يمكنه الوصول إليه من مصادر الحياة، حتى لو كان بقاؤه مكنوزًا يؤدي إلى تلفه، وحرمان بقية البشر، أو الكائنات التي تقتات عليه، من الانتفاع به، أو ينتهي بهم إلى الإخلال بدورة الحياة الطبيعية بين مكونات الأرض. وما إن ترسخت هذه المبادئ عند الإنسان في مراحله اللاحقة، خاصة بعد أن أخذت الأفكار الرأسمالية تستولي على تفكيره في عصور التحول نحو الإنتاج الكمي الهائل Mass Production، في الحقب الصناعية التي ما زالت تتوالى بأشكال مختلفة محولة ذهن الإنسان واهتمامه إلى كيفية الحصول على المنتَج بغض النظر عن مدى حاجته إليه. فلو نظرنا إلى ما يملكه كل شخص قادر، وفي بعض الأحيان أشباه القادرين أو غير القادرين على كلفة الحصول على الأشياء، لوجدنا أن الإنسان قد تحول من مالك للأشياء إلى مسخَر للركض وراء ملكيتها. ثم تفنن المسوقون لهذه المنتجات والأفكار الرأسمالية في إقناع كثير من الناس، بأنهم الأذكى لاستطاعتهم الاستحواذ على أكبر ما يمكن مما يظن بأنها مملوكات، بينما هي في الواقع مالكة ومسيّرة له. وبدأ كثير من الناس يتخلّون عن المبادئ في سبيل الانخراط في هذه الدوامة من السعي الدائم وراء الأشياء، ووهم نمو الممتلكات وادخارها بصورة عينية أو نقدية. وإلى أن ظهرت نظريات مغايرة للجشع الرأسمالي، في الأطروحات الاشتراكية، التي تبناها المعسكر الاشتراكي خلال أغلب عقود القرن الماضي، ولم يعد هناك من يطبقها إلا بعض دول محدودة ومعزولة مثل كوريا الشمالية وربما كوبا. فقد فشلت تلك التجربة المغايرة لطبع الإنسان نحو الحيازة، الذي تكرّس على مدار آلاف السنين، قبل أن يصاغ في نظريات وتطبيقات خلال العصر الحديث. أما إن نظرنا إلى مجتمعاتنا العربية، فإننا سنجد تفاوتًا في الإقبال على تلك الوصفات من بلد إلى آخر، حسب الاندماج في الثقافات المصدرة لتلك الأفكار، لكن أغلب هذه المجتمعات قد تأثرت بشكل أو بآخر بذلك الداء، الذي أصبح ينخر في خطوط المبادئ الأخلاقية، ويقلل من تماسك الأفراد حتى في الإطار العائلي وعلاقات الصداقة والجوار. حدث هذا التحول في بيئتنا بطريقة فاعلة منذ الطفرة الأولى في منتصف السبعينيات الميلادية من القرن الماضي، بعد أن صار هم الناس - في الغالب - التباهي بالمال وبالمقتنيات من مسكن ومأكل وملبس ومركب، أكثر من الحرص على الشيم والعلاقات الطيبة مع الجيران وذوي القربى. ومع تطور هذه الظاهرة وتربّي الناشئة عليها من خلال القدوة ورؤية مجالات التقدير لأصحاب المال والمقتنيات الكثيرة، أصبح الاتجاه واضحًا نحو تملّك ما يزيد كثيرًا عن الحاجة، وتقديم ما يربو من الطعام عن قدرة المدعوين على أكله بكثير، والاستعراض بأنواع السيارات والمساكن الفارهة، للتعبير عن الانتماء إلى طبقات معينة. وأحيانا تكون تلك الاستعراضات على حساب حاجات للفرد أو الأسرة أكثر أهمية مما يظهره أمام الآخرين، مما يوحي بأن الغرض ليس التملك، بل إظهار ذلك التملك. وأكثر ما تبدو حالات تلك الحمى الاستهلاكية في طريقة الشراء المستمر لأشياء يظن المرء أن الفرصة مواتية لامتلاكها في ذلك الحين، أو من ذلك المكان (خاصة في حالات السفر ووجود عروض البيع الكبيرة). وأغلبنا يعرف أناسًا يشترون من الملابس ما لا يلبسونه إلا نادرًا، أو لا يأتيه الدور للبس. ويكون الهدف من شرائه أنه كان من تسوقه من الخارج، خاصة في مدن الموضة وشهرة التسوق العالمية، أو لأنه وجده بسعر مغرٍ جدا لكون البلاد رخيصة أو لوجود تخفيضات كبيرة. على أن عددًا كبيرًا من أولئك الناس تزدحم خزائن ملابسهم بألبسة غير صالحة للبس لاختلاف المناخ، أو لتغير مقاسات الأجسام، كما تزداد الحاجة - خاصة لدى النساء - إلى عدد متزايد من دواليب الأحذية، التي يتقادم بها الزمن دون أن يتسنى لمالكها الاستفادة من بعضها، أو إراحة نفسه من ازدحام المكان بتلك المشتريات. فهل أصبح الإنسان مهووسًا بعدد ما يملك من أشياء متشابهة، أم هي جينات تطورت عند الإنسان في الحقبة، التي ظن أنه أذكى من غيره؟