د. طرفة عبدالرحمن

خنوع التفكير..

يخلق الإنسان حراً، ويأبى أحيانا إلا أن يكون خانعا أو وصيا متسلطا.. لا تقبل الحرية أنصاف المسافات، لذلك لا يمكننا أن نؤمن بحرية إنسان يمارس التبعية الفكرية بشكل مفرط ويتقيد في تصرفاته بما يمليه عليه الآخرون، سواء كان هؤلاء الآخرون شخصيات اجتماعية أو سياسية أو دينية مقتنعا هو بها. ونحن إذ لا نؤمن بحرية هذا الفرد يعني أننا نشعر حياله بالأسى، ونعرف إلى حد ما حجم التبعية التي يعانيها ونتمنى له الخلاص الفكري الذي يحرره إلى مناطق أكثر استقلالية وهدوءا وراحة. فهذا النمط من الشخصيات لا يعيش جوا من الاستقرار الطبيعي الذي يتنفسه أي إنسان سوي ومعتدل نفسيا ومستقل؛ فهو يجند نفسه للدفاع عن رموزه التي تقود فكره أو يذود عن قضاياهم المبعثرة والمزعجة. وتسلسل المشكلة يتجلى في أن المحكوم بهذا النوع من الخنوع، يتحول إلى سليط متطفل يحاول فرض آرائه على كل من يخالف منهجه الفكري أو بالأحرى منهج رموزه الفكرية. والقضية تتجاوز هذه الحالة إلى حالات أخرى تعاني أزمة في التعاطي مع حريات الجو العام، فعلى سبيل المثال نحن نلاحظ انقسام الاتجاهات لدى الأفراد نحو فعاليات هيئات معينة، فهناك المرحب والمستبشر بالنشاطات التي تقدمها تلك الهيئات والآخر الساخط الذي ينتقد أداءها من ناحية الأفكار والأسعار. والمشكلة ليست في قضية الاختلاف والانتقاد في الاتجاهات الجماهيرية العامة، فكل إنسان في النهاية له ذوقه وأيضا زاويته التي يقيم بمقتضاها الأمور- وله كامل الحق والحرية في ذلك - كما ان الاختلاف والانتقاد له فائدته في لفت النظر تجاه القصور أو المشكلات وبالتالي معالجتها.. المشكلة في فرض الاعتقاد على الآخرين وإلزامهم به.. لا يمكن أن تستقيم الحياة بوتيرة طبيعية في ظروف التعدي على حقوق الآخرين والمزايدة على توجهاتهم الأخلاقية أو الفكرية. من القبح أن تجاهر بتصنيف نفسك في مرتبة أعلى أخلاقيا من الآخرين، والأقبح أن تمنح نفسك رخصة التدخل في قراراتهم او خياراتهم بالحكم أو التعدي عليها. التسامح والتهذيب صفة إنسانية أخلاقية ودينية تحث عليها كل الأعراف والديانات والثقافات المتحضرة؛ ويجب أن تكون منصبة دائما في كل مجالات الاختلاف والتعارض مع الآخر. لا أسوأ من أن تعتقد أنك نافع وأنت على العكس من ذلك.