هناء مكي

حتى تكون الوظيفة «مهنة» ناجحة

أرى أن الوظيفة كـ«الزوجة» أو «الزوج» تستلزم من الشخص أن يفهمها ويقتنع بها قبل أن يقدم على الارتباط بها، فهي إما أن تكون زوجة عمره، أو تجربة ارتباط يدخل من خلالها سوق العمل وتكفيه التجربة ليفهم بعدها ما يريد.الوظيفة بروتينها وكل مساوئها بها ايجابيات لابد من الالتفات لها بالذات عند كل متذمر من عمله، وعليه أن يدركها ليضيف لنفسه بعداً يرتقي من خلاله، فأغلب الروتين الوظيفي وبالذات في القطاع العام والشركات الكبيرة، يبعث على اليأس وعدم التطور حتى وإن خاض الشخص دورات وتدريبات، فلم تعد مكاناً للطموحين والحالمين، وهذا صحيح، فالنظام موضوع بالكامل ولا يتطلب جهداً عظيماً، والبعض لا يجيد إلا الحضور وحسب.لذا فإن كل شخص عامل، عليه أن يحول وظيفته إلى مهنة ذات جدوى إن لم يكن للجهة التي يعمل بها، فلنفسه - على أقل تقدير- وهنا لابد لنا من التفريق بين الوظيفة والمهنة. فبدرجة كبيرة «الوظيفة» يجب أن يحسن فهمها لا اختيارها، فقد يكون الاختيار اضطراريًا، لذا لا أملك أن أملي على أحد أن يختار لنفسه وظيفة فهي مقرونة بالتوفيق والنصيب أولاً، والقدرات والمؤهلات ثانيا مهما تعددت الأسباب سهلت أم صعبت. فهي تعتمد ليس فقط على مؤهل الشخص، بل على: شخصيته، طموحه، مواصفاته، علاقاته، سلوكه، لذا فإن الوظيفة يجب أن تراعى فيها جوانب واعتبارات عدة.لكن ماذا عن الفارق بين «الوظيفة والمهنة»؟! فإنك حين تريد إدراك معنى أرجعه لأصله، لجذره كما تعلمنا في اللغة. لذا فالوظيفة هي المهمة والواجب والمسؤولية التي توكل إليك، والمهنة هي الاداء الخلّاق وهي الصناعة التي تقوم بها، هي تشكيلك ونحتك لتلك المسؤولية فتقوم بها بحب وعلى «أقدر» وجه وليس أكمل وجه. فالإنسان قدرات، بمعنى أن تضع جل قدراتك ومهاراتك فيها، فقم بوظيفتك كما أمرت وكما وكلت لك مسؤوليتها كاملة وأنت تمتهنها بمحبة وبشغف.. كيف؟؟ حين تدرك أبعاد وجودك في مهنتك، عمق مسؤوليتك بأنك تصنع أو تقوم بما لا يستطيع غيرك القيام به، أو أنك تعمل عملا لم يعط إلا لك، فكر في أن ما تقوم به يبنى عليه الكثير من الأشياء طيلة اليوم، وقدر لنفسك أن تنال رضا من خلال انجاز المهمة. فالمهمة قد تكون جماعية ولك منها نصيب، أتقن دورك، أقدم عليه بحب، واجعل ما تقوم به ينال استحسانا داخلك ولا يهمك الآخرون، اجعل ما تقوم به يرضيك ويعزز فيك قناعة الإبداع والإنجاز معاً، ليس مهمًا أن يقدرك أو يثني عليك أحد، بل قدر أنت نفسك، فالأمر يعتمد عليك.في رأيي لا توجد وظيفة - مهما كانت بساطتها أو دونيتها- لا تعلمك درساً وتعيش معها تجربة النجاح، فالفارق أن تقدر هذا الأمر بدلا من أن تستحقر نفسك بسببها، مهما بلغت مؤهلاتك، فيكفي أنها تكفيك الحاجة، وتصنع لك مكاناً في صفوف العاملين، وتعرفك على عالم وأشخاص وأماكن، لا تقتل أحلامك وتلعن ما أنت عليه. أغلب العمال لدينا محبطون ويبحثون عن العمل اللائق، أجل لدينا خلل كبير في سوق العمل، لكن العامل يستطيع أن يكون الأجدر وأن يكون عمله سلماً نحو حلم وليس عمله هو الحلم في حد ذاته، فمتى ما أحبط فيه (أو لم يحصل عليه) ساءت حياته كلها، إذ إنه ربطها بأكملها بوظيفته.لذا، فإنك حين تبحث عن وظيفة، لا تبحث عن تحقيق حلم، بل ابحث عن مهنة تحقق من خلالها حلمك، وإن كنت تملك وظيفة حقق من خلالها حلمك، وإن لم تكن، اجعلها، كن شغوفاً واصنع تحدياً.