أثبتت دراسة وتشير دراسات
لا أقول هنا شيئًا جديدًا لم يسبقني أحد إليه، فأنا أكرر المعروف والمألوف عند الناس بقولي إن الصحافة الورقية لم تعد تتمتع بمكانتها وأهميتها القديمتين كمصدر للأخبار والمعلومة والمعرفة. فقد ولّت أيامُ تفردها بالمجد الإعلامي، وانتهت أيامُ لم يكن لها منافس سوى الراديو وقنوات التلفاز الأرضية. بدأ مجد الصحافة الورقية بالتضاؤل -ولا أقول بالأفول- بمجيء قنوات التلفزة الفضائية، كمنافس قوي سحب بالتدريج جزءًا كبيرًا من البساط من تحت أقدامها، منافس يهدر بالصوت والصورة طيلة الوقت، ما أدى إلى تقلص مساحة طقس قراءة الصحف اليومي. فكثير ممن كانوا يتوقفون عند نقاط البيع من أجل شراء الصحف التي اعتادوا قراءتها في بداية كل يوم، أو في أي وقت خلاله، لم يعودوا في حاجة الى أداء هذا الطقس اليومي، فكثير مما كانوا يبحثون عنه في الصحف أصبح توفره قنوات التلفزة الفضائية بسخاء وبدون انقطاع، وبطريقة أكثر امتاعًا وتشويقًا، فالأحداث التي تقع اليوم تبث الفضائيات اخبارها فورا أو تنقلها نقلًا حيًا على الهواء، وتزيد على ذلك بتكرار بثها واشباعها تفصيلا وتحليلًا إلى حد الإملال في أحايين كثيرة. ولم تكد الصحافة الورقية تستعيد توازنها وتتأقلم مضطرةً مع الوضع الجديد غير المريح بتقبل وجود ذلك المنافس ثقيل الظل حتى حصل ما زاد الطين بلّة وهو ظهور منافسين جدد: الصحافة الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد أثبتت الأخيرة أنها المنافس الأسرع في نقل وايصال الخبر والأسهل استخدامًا وحملًا، والمفضلة لدى الناس. تشكل هذه الوسائل بمجموعها (الصحافة الورقية والالكترونية والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي) دائرة من المتنافسين تطوق الفرد وتحاصره من كل الجهات في تنافس شرس ومحموم من أجل اقتطاع أكبر جزءٍ ممكن من اهتمامه ووقته، يرافق ذلك ويتزامن معه تقلص راحته بسبب توليد المتنافسين حوله شحنات من القلق عبر إيهامه وخلق الإحساس في داخله بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها لحظة واحدة، وبأنه يفوته الكثير وأنه سينقطع عمّن وعمّا حوله إذا توقف عن قراءتها ومشاهدتها واستخدامها. يوازي تنافسها على الفرد قارئًا ومشاهدًا ومستخدمًا التقاءها وتقاطعها عند الاعتقاد أن أعماقه تنغلق على كمية من السذاجة تكفي لجعله يُصدِّق كل ما ينقل ويصل إليه، ويتقبله بدون التساؤل عن مدى صدقيته، ناهيك عن التشكيك فيه جملةً وتفصيلا. يكفي مثلاً أن يقول المذيع أو يتضمن الخبر أو البرودكاست عبارة: «كشفت دراسة» أو «تشير دراسات..» ليمنح ثقته لهما ويُصدِّق ما يقرأه أو يدخل في مجال سمعه.بسهولة انتقلت هاتان العبارتان الاستهلاليتان - أثبتت دراسة، وتشير دراسات- من الصحافة الورقية الى نظيرتها الالكترونية والبوستاب والبرودكاستات. قد تردان في بداية خبر أو تقرير صحفي، وأحيانا في الوسط، لكن ما لا يرد، وما لا يذكر قبلهما أو بعدهما في الغالب الأعم هو اسم من أجرى أو أجرت الدراسة التي أثبتت ما يقال إنها أثبتته، أو اسماء من اشتغلوا على الدراسات التي تشير إلى ما يذكر أنها كشفته. إنها دراسات مجهولة المنشأ والمصدر يسرد الناقل ما انتهت اليه من نتائج سلبية كانت أو إيجابية، وهو على ثقة تامة في أن المتلقي سوف يتقبل هذه النتائج وسيمنحها ثقته ولصاحب أو لأصحاب الدراسة المجهولين؛ لأن المتلقي في تصور الناقل هو متلقٍ أو مستقبل مزيج من بساطة وسذاجة وكسل يؤثر الدعة والراحة، ويتفادى اعمال ذهنه تفكيرًا وتساؤلًا عمّا يستقبل، ولا يعبأ بتمييز الغث من السمين.«أثبتت دراسة..» ولا يذكر حتى عنوانها، لأنه لا يوجد لها عنوان، كما لا يوجد دارس أو دارسون، ولا توجد الدراسة نفسها لأن كل ما في الأمر فبركة في فبركة، في زمن أصبح فيه اكتشاف وفضح الفبركات سهلاً بخلاف ما يظنه المفبركون الذين وقر في أذهانهم أن المتلقين على الطرف الآخر مجرد مستقبلين سذج. الغريب في الأمر أن يصر على «الفبركة» بعض العاملين في الصحافة الورقية مجازفين بفقد ثقة القراء الذين تحتاج إليهم الصحافة الورقية بشكل أشد من حاجتها اليهم في الماضي حين لم يكن حولها من يهددها باختطافهم منها. إن الصحافة الورقية هي أكثر الوسائل الإعلامية عرضة لخسارة «زبائنها» إذا صح التعبير، ولا أعتقد أن الفبركة والاستمرار في ممارستها لإضفاء الأهمية و«الصدقية» الوهميتين والزائفتين على ما تحمله من أخبار وتقارير هي الطريق الصحيح الى الاحتفاظ بثقة من لا يزالون يواظبون على قراءتها، ناهيك عن كسب ثقة قراء جدد.هذا لا يعني إطلاقا التسليم بخسارة الصحافة الورقية لصالح الوسائل الأخرى. فلدى الورقية ما تستطيع التميز والانفراد في تقديمه بدون الفبركة والتقليل من شأن القراء!