التعليم والإعلام ومسؤولية البناء الوطني
ما من مظهر من مظاهر التنمية إلا وينطلق من أدوات وطاقات كان التعليم هو الأساس في إبرازها وترجمة جهودها من أحلام تداعب أذهان الطموحين من الناس إلى واقع ملموس يعيشه الجميع ويستفيدون منه، وربما لا يستفيدون أو قد يتضررون إذا كان المنجز التنموي قائما على أسس هشة، ودون دراسة وافية تراعى فيها جودة الهدف وجودة الإنجاز وجودة المتابعة والمحاسبة، كما يراعى فيها سد أبواب الفساد الذي هو المعضلة الأساس في التنمية، والمعطل الرئيس للإنجاز كما يفترض أن يكون، بل أن الفساد هو المانع الأول والأخير لإنجاح أي إنجاز. والتعليم إذا لم يؤسِّس لبناء الإنسان المسؤول والمدرك لواجباته الوطنية، والقادر على مواجهة الضعف أو الانحراف الذي قد يصيب التنمية، فإن هذا التعليم يعتبر فاشلا في اختيار منطلقاته وتحديد أهدافه وتحقيق النتائج المرجوة من هذه الأهداف، مما يستوجب إعادة النظر في خطط التعليم وبرامجه الإدارية، كما يستوجب إعادة النظر أيضا في مناهجه ونظمه الدراسية، وصياغة خطط تضع في حسبانها تطوير أساليب التربية والتعليم بما يتناسب مع روح العصر، ويستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة، ويراعي الظروف المحيطة، وما يستجد فيها من تطور مذهل في جميع المجالات، فما الوطن - أي وطن - إلا جزء من عالم كبير، أصبح صغيرا في ظل منجزات العصر التكنولوجية، وما وفرته من وسائل التواصل السريع بين الأمم والشعوب، مما يفرض التفاعل مع هذه الإنجازات، بالمشاركة في تطويرها وتسخيرها لخدمة السلام بين دول العالم. فالتعليم هو المنتج للكفاءات القادرة على القيام بدورها الإيجابي في التنمية، وإصلاح التعليم هو البداية للتنمية البشرية التي يمكن أن تطرد العمالة الضعيفة من سوق العمل، اعتمادا على إصلاح الركائز التي يعتمد عليها التعليم الناجح، وهي المبنى المدرسي المناسب، والمنهج التعليمي السليم، والمدرس المؤهل الأمين على طلابه. وأكثر الدول تقدما هي الدول التي يحظى فيها الطلاب بمدارس مريحة مؤهلة، ومناهج عصرية ومتطورة، ومعلمين من ذوي التحصيل العلمي العالي والتأهيل التربوي المتميز. وهنا يأتي دور الإعلام في معالجة الفشل الذي قد يخلفه النظام التعليمي، ويبدأ ذلك بمعالجة ما يتخلل العملية التعليمية من قصور في جميع المراحل، استنادا على طروحات الخبراء، والأكاديميين، وأصحاب التجارب من التربويين، وقادة الفكر، بعيدا عن الاجتهادات الهزيلة التي تكرس ضعف التعليم بدل أن تنقذه مما هو عليه من حالة يرثى لها، وأي معالجة لأوضاع التعليم لا تعتمد على أسس علمية مستمدة من الواقع وليس من النظريات المستوردة، فإنها تصبح معالجة ضعيفة غالبا ما تتلاشى أمام ما ينتجه الواقع من تحديات. والإعلاميون المحترفون هم الذين يستطيعون جمع خيوط المشكلة، وفرز القوي منها للاستفادة منه، وتجاوز الضعيف منها إذا أثبت عدم جدواه، رغم ما قد يعتمد عليه من سند قوي تقوم بها فئات لا يهمها التعليم بقدر ما يهمها تمرير أفكارها المتوارثة جيلا بعد جيل، بعيدا عن أي محاولة للتطوير أو التغيير أو التحول إلى منهج علمي سليم. ودور الإعلام في المساهمة في إصلاح العملية التعليمية يمتد إلى إصلاح ما تنتجه هذه العملية التعليمية على المستوى العملي، فمن يكون ضعيفا في علمه، سيكون حتما ضعيفا في عمله، ومهمة الإعلام في هذه المرحلة هي تقويم مسار ذلك المنتج الضعيف الذي يؤدي ضعفه في الغالب إلى إرباك مسار التنمية، وربما انحرافها عن طريقها السليم، وتقويم هذا المسار من قبل وسائل الإعلام المختلفة يعني النقد البناء، والحوار الصريح، والتنبيه إلى القصور في الأداء، ومحاربة بوادر الفساد، للقضاء عليه في مهده، وهذا لا يقتصر على البناء المادي، ولكنه يعني بقدر أكبر البناء البشري، وإشاعة الوعي بين المتلقين لهذا الإعلام، لتأصيل قيم التكاتف الاجتماعي والانتماء الوطني، والوقوف بصلابة في وجه التحديات الشرسة التي تواجه أمن المجتمع، ووحدة الوطن، إلى جانب إشاعة الوعي بأهمية الوحدة الوطنية، وتجاوز الخلافات المذهبية؛ سعيا لتحقيق المصالح العليا للوطن؛ ليكون آمنا ومستقرا، وفي ظل الأمن والاستقرار يكون الازدهار، وينمو الاقتصاد، وتتحقق العدالة الاجتماعية، لتكون فرص المشاركة في التنمية متاحة للكفاءات لا للمحسوبيات، ولتكون القيادات وفق شروط موضوعية وليست عاطفية. والإعلام إذا أريد له أن يقوم بهذا الدور الإصلاحي، فإنه يحتاج إلى الكفاءات والمناخ المناسب، وحرية الرأي، وهذا يعني وجود الأنظمة التي تحكم علاقة الإعلام بما يدور حوله من حراك تنموي في كل المجالات، وواجبه في محاولة إصلاح الخطأ فيها. وكما نرى أن التعليم والإعلام هما قضيبا قطار التنمية، وفي فلكيهما تدور كل مظاهر الحياة على مستوى الأسرة والمجتمع والوطن والأمة، وهي أمانة يتولى مسؤوليتها القادرون من أصحاب الكفاءات، لا من أصحاب الوساطات الذين غالبا ما يحدثون عوارا في أي منصب يتولونه، وحتى بعد تركهم لهذا المنصب يبقى ذلك العوار مستعصيا على العلاج إلى وقت طويل، وأصعب ما في الأمر أن يعتقد المسؤول في التعليم أو الإعلام أو أي مرفق عام، أنه المفرد العلم في مؤسسته، وصاحب القرار الأول والأخير فيها، بسبب غياب الاستراتيجية الثابتة التي تلزم كل مسؤول بإكمال ما انتهى إليه من سبقه في هذا المنصب، بدل أن يبدأ من جديد.