محمد الصويغ

الترشيد والمصارف وصناديق البريد

أقف مجددا اليوم أمام محطات ثلاث جديدة، عبر هذه العجالة، أبدأها بإلقاء الضوء على الترشيد أو ضغط المصروفات، وهذه السياسة عادة تستخدم عند الأزمات الاقتصادية الحادة لأي سبب جوهري، وتطبقها معظم دول العالم الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وقد اتبعتها حكومتنا الرشيدة؛ بسبب الانخفاض الطارئ على أسعار النفط، والذي يمثل الدخل الأكبر للمملكة، رغم السعي الحثيث لتنويع مصادر الدخل. وهذه السياسة الحكيمة والعقلانية لا بد من تطبيقها لتلافي العجز في الميزانيات ومحاولة الاقتراب من أرقام إيرادات تتقارب مع أرقام المصروفات، وإزاء ذلك جاءت خطوات خفض الرواتب المرتفعة وإلغاء البدلات وتأجيل تنفيذ بعض المشروعات التي يمكن تأجيلها ريثما تتعدل الأمور، وهي خطوات اتبعتها أيضا أجهزة القطاع الخاص حيث استغنت عن كثير من الوظائف وعمدت إلى خفض رواتب موظفيها بنسب معقولة. هذه الإجراءات كان لا بد من اتخاذها؛ للخروج من الأزمة بسلام، غير أن من المفترض أن تقابل بخفض مماثل للأسعار الغذائية التموينية كالزيوت واللحوم والسكر ونحوها، غير أن شيئا من هذا لم يحدث، فقد اتخذت هذه الاجراءات السليمة غير أن أسعار تلك المواد لم تتغير بل ارتفعت وتيرتها، وحتى الأسماك المتوافرة في المياه الإقليمية لبلادنا ارتفعت أسعارها هي الأخرى. التوازن إزاء تلك الإجراءات والأوضاع الراهنة للأسعار مفقود تماما، وهنا يتضرر المواطن بصورة واضحة وجلية، فهو فقد بعض المميزات التي كان يتمتع بها من قبل، وبالمقابل فإن أسعار المواد الغذائية وأسعار العقارات ونحوها لم يطرأ عليها أي تغيير. المحطة الثانية التي أريد التوقف عندها هنا هي المتعلقة بمصارف الأمطار، وأطرحها هنا في أعقاب الأمطار الغزيرة التي هطلت على بعض مناطق المملكة ومنها المنطقة الشرقية، وهي أمطار - كشفت المستور- كما أظن، ذلك أننا كنا نسمع عن مشروعات عملاقة نفذت لتصريف مياه الأمطار، غير أن بعض المدن في المنطقة الشرقية غرقت شوارعها الرئيسية والفرعية بسبب تلك الأمطار. أعطي مثالا بأحياء سكانية عديدة بواحة الأحساء مثل حي الشروفية بمدينة المبرز وحي النعاثل بمدينة الهفوف، وقس عليهما بقية أحياء المحافظة، والكثير من أحياء الدمام - غرقت في شبر ميه- كما تقول العامة وأضرب مثالا بحي الحمراء وحي المزروعية، والكثير من الأحياء الأخرى، وهذا يعني أن تلك المصروفات مفقودة تماما أو أنها لم تنفذ، أو أنها نفذت بطرق غير صحيحة. مصارف الأمطار مهمة للغاية، فالأمطار في كثير من مناطق المملكة موسمية بالفعل، ولكنها عندما تهطل بغزارة تخرب الكثير من الشوارع والبيوت وتعيق حركة المرور وتعطل حركة البشر، وفي كل عام نظن أن تلك المصارف قد نفذت كي لا تتكرر مشكلة تجمع المياه في الشوارع، غير أن ما يحدث في واقع الأمر أن الشوارع الرئيسية والفرعية وشوارع الأحياء السكنية تتضرر بفعل هطول تلك الأمطار ويتضرر مرتادوها، ويتضرر منها السكان في بيوتهم. انتقل إلى المحطة الثالثة والأخيرة لأقول إن عهد الرسائل الشخصية وغير الشخصية ولى إلى غير رجعة بفعل التقدم التقني المشهود وانتشار أجهزة الحاسوب الآلي في كل البيوت وفي كل الجيوب، بل إن عهد المعاملات الثقيلة و- الملفات الخضراء - انحسر أيضا بفعل ما حدث من تطور اتصالي متسارع، وأصبحنا نتحدث اليوم عن الحكومات الإلكترونية التي غابت عنها الوسائل الاتصالية القديمة. وإزاء ذلك فإنني أتساءل عن الأسباب الكامنة وراء الاحتفاظ بصناديق البريد واستخدامها فقد استبدلت منذ أعوام عديدة بالبريد الإلكتروني، فما جدوى الاحتفاظ بتلك الصناديق؟ فهي ما عادت صالحة لتبادل الرسائل فوسائل الاتصال المتعددة غيرت أساليب الاتصال القديمة، وما عادت صالحة أيضا لاستلام - الشيكات- فالحوالات حلت محلها، وأصبح من الممكن عن طريق الشبكة العنكبوتية تحويل الأموال من حساب إلى حساب. وما عادت صناديق البريد صالحة في الوقت ذاته لوصول الصحف اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية، فقراءة الصحف أضحت متوافرة، أصبح بإمكان المرء أن يقرأها وهو في منزله بمجرد الضغط على أزرار في حاسوبه الآلي تتيح له قراءة الصحف المحلية أو الأجنبية، وتتيح له في ذات الوقت قراءة الكتب بكل اللغات. هذا يعني أن تجاوز استخدامنا لصناديق البريد يجب أن يتحقق بالسرعة المتوخاة، وتحويل الموظفين المخصصين لتوزيع الرسائل داخل تلك الصناديق لتأدية مهمات أخرى لها علاقة مباشرة بالاستخدامات التقنية، فاستخدام تلك الصناديق طريقة عفى عليها الزمن، ولا بد من تغييرها على طريق تحقيق الاستخدام التقني في سائر معاملاتنا الحكومية، وفي سائر المعاملات المتعلقة بالقطاع الخاص أيضا.