د. حسن العالي

هيكلة الدعم الحكومي والقضايا الشائكة

تعتبر قضية رفع الدعم عن المواد الغذائية والطاقة قضية شائكة ومعقدة، لا لأنها ظلت مطبقة منذ فترة طويلة ناهزت الأربعين عاما، بل لأن مستوى معيشة المواطن تكيف تكيفا وثيقا معها، حيث إن رفع الدعم فضلا عن تأثيره المباشر عليه، فهناك تأثيرات غير مباشرة أيضا عندما يقوم التجار وأصحاب الخدمات ولكي يعوضوا تأثرهم هم أيضا برفع الدعم بتحميل سعر المنتج أو الخدمة النهائية على كاهل المواطن، ثم إطلاق موجة من ارتفاع الأسعار تطال الكثير من السلع التي يتعامل معها. لذلك، هناك شبه اتفاق باعتماد نهج التدرج في رفع الدعم، وألا يكون على دفعة واحدة بغية تلافي «الصدمات» والآثار السلبية التي من الممكن أن تنجم عن هذا الإجراء. كذلك يجب أن يعاد توجيهه لكي يذهب للفئات من ذوي الدخل المحدود بالدرجة الأساسية. ويتفق الجميع على ضرورة أن يسبق رفع الدعم دراسة شاملة لما قد ينتج عن رفع الدعم من سلبيات وعلى مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية. ووفقا لتقرير دعم الطاقة الصادر من الأمم المتحدة، فإن السعودية تدعم الطاقة (الكهرباء والوقود) بـ 163 مليار ريال سنويا، وهو ما يشكل نحو عُشر الناتج القومي، وهذه النسبة هي أعلى النسب على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. كما يضع الاستهلاك المحلي للنفط والمشتقات النفطية في المملكة العربية السعودية من ضمن أكبر عشر دول مستهلكة للنفط في العالم بمعدل استهلاك بلغ في عام 2015 نحو 2.224 مليون برميل يوميا تمثل نحو 2.6 في المائة من حجم الاستهلاك العالمي. ويقدر حجم الدعم في الكويت، الذي يذهب معظمه للطاقة، بنحو 5.1 مليار دينار (17.7 مليار دولار) سنويا أو ما يقرب من ربع الإنفاق المتوقع للحكومة الكويتية في السنة المالية الحالية. وعلى صعيد الدراسات العالمية لموضوع الدعم في دول مجلس التعاون الخليجي يركز صندوق النقد الدولي على مراجعة آلية دعم أسعار الطاقة، وخاصة ما يسمى الدعم المعمم بحيث توجه بصورة أكثر دقة إلى الأفراد والجهات التي تحتاج إلى هذا النوع من برامج الدعم بالفعل، والعمل على تحديد أهدافها للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم، سواء في أسعار الطاقة أو الطاقة الكهربائية، لكي تتحقق الفوائد المرجوة من مثل تلك البرامج. كما أن الدعم المعمم ومع مرور الوقت أثبت أنه يمثل تكلفة بالغة الارتفاع. فبالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط، يلاحظ الصندوق أن دعم الطاقة يستحوذ على النصيب الأكبر في الإنفاق. فقد كانت تكلفة دعم الطاقة قبل خصم الضريبة 250 مليار دولار في عام 2014 (ما قبل انهيار أسعار النفط في منتصف العام 2014)، أي ما يعادل 84% من الدعم العالمي (4.6%من إجمالي الناتج المحلي الإقليمي) ووصلت هذه التكلفة إلى 204 مليارات دولار (4.8% من إجمالي الناتج المحلي) في البلدان المصدرة للنفط و33 مليار دولار (6% من إجمالي الناتج المحلي) في البلدان المستوردة للنفط. كما أثبت الدعم المعمم للطاقة والمحروقات عدم فاعليته، حيث إن ما يسمى الدعم المعمم للأسعار- وهو أكثر أشكال الدعم شيوعا في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- لا يستهدف الفئات المستحقة ولا هو مردود التكلفة كأداة للحماية الاجتماعية. فبالرغم من أنه قد يصل إلى الفقراء إلى حد ما، فإن أكثر المستفيدين منه هم الأغنياء الذين يستهلكون قدرا أكبر من السلع المدعمة. وفي بيئة دول المجلس، يمكن القول أيضا إن غالبية الدعم المعمم للوقود وبعض المواد الغذائية يذهب للعمالة الأجنبية أيضا. وأكدت الدراسة أنّه ثبت عالميا أنّ الدعم لا يذهب لمستحقيه في الدول النامية حيث يحصل أغنى 20% من السكان على أكثر من 43% من الدعم فيما يحصل أفقر 20% من السكان على 7% فقط من الدعم. في الجانب الآخر، يتوجب دراسة العديد من المحاذير عند رفع الدعم المعمم تشمل: مخاوف من ارتفاع نسب التضخم في أغلب السلع والخدمات وعوامل الإنتاج المختلفة، بجانب ارتفاع كلفة الإنتاج بصفة عامة، وبالتالي انخفاض تنافسية المنتجات الوطنية، وكذلك انخفاض الاستثمارات الأجنبية بسبب انخفاض الحافز المشجع نتيجة ارتفاع أسعار كثير من المدخلات ومنها النقل والوقود وغيره. لذلك، وقبل تطبيق مشروع رفع الدعم، سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات لتعزيز الاقتصاد الوطني وتوطيد نسيج الترابط الاجتماعي، ورسم خطة تحول واضحة الأهداف ومدروسة بعناية بالاستفادة من تجارب الدول الأخرى على أن يسبق التحول حملة إعلامية شاملة تتصف بالشفافية يوضح من خلالها فوائد هذا التحول على الاقتصاد الكلي وعلى المؤسسات الإنتاجية والأفراد. ومن ضمن ضرورات التحول إلى رفع الدعم أن يتم رسم آليات واضحة لكيفية تعويض المتضررين من عملية رفع الدعم بالاستفادة من تجارب الدول الأخرى والأخذ في الاعتبار مفردات المجتمع والظروف المحيطة به. كما ينبغي إجراء مراجعة شاملة لكثير من الأمور التي من شأنها توفير وفورات مالية للاقتصاد الوطني من بينها خفض النفقات غير الضرورية وترشيد الإنفاق في كثير من المشروعات الحكومية، مع تفعيل الرقابة المالية والإدارية بشكل أكبر، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، بجانب تطبيق مبادئ الإدارة الرشيدة وتطبيق أنظمة الحوكمة في إدارة الشركات الحكومية، ثم بعد ذلك كله يمكن رفع الدعم الحكومي على الوقود وغيره بشكل تدريجي وعلى مراحل متعددة. ولا شك أن رفع الدعم ضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية المتغيرة، ولكن على دول المجلس، أن تتخذ جملة من التدابير للتهيئة لهذه الخطوة ولضمان تقليل تأثيرها إلى الحد الأدنى على الفئات الاجتماعية الأقل دخلا، بل يجب تحسيس هذه الفئات بجدوى تقليص الدعم من خلال إعادة توجيه قسم من مردودات رفع الدعم لها عبر وسائل أخرى مثل البطاقات التموينية وغيرها.