أم الدنيا وسرعة التحولات (1)
هل فكّر المخططون وبناة مصر الحديثة بما يمكن أن تؤول إليه خططهم واستراتيجياتهم وآمالهم من أحوال في فترات قصيرة جداً؟ وهل يتسق تاريخ مصر الطويل مع ما آلت إليه في العصر الحاضر، بعد أن أمسك المصريون بحكم أنفسهم منهين حقبة طويلة من حكم الأجانب لهم؟ لا بد من استعراض تاريخي قبل تحليل الوضع الحالي. لم تكن هذه البلاد يوماً ما بمنأى عن مطامع القوى الأجنبية المجاورة لها، أو البعيدة عنها، التي ترغب في الاستفادة من خيراتها وموقعها الاستراتيجي في العالم. فقد سعى أهل مملكة طيبة (الذين أصبح يُطلق على ملوكهم باراعو، والتي أصبحت في التاريخ العربي والإسلامي «فرعون»، أي الملك) إلى الاستيلاء عليها، لتنضم إلى مملكتهم الواقعة في مناطق النيل العليا. وبعد أن ضعفت الأسر الملكية الطيبية، وحدث الانقسام بين شقيها الشمالي والجنوبي، أصبحت مطمعاً للممالك الواقعة في شرق المتوسط، التي أصبح يُطلق عليها في تاريخ مصر «الهكسوس»، الذين غزوا مصر، وحكموها إلى أن امتدت إليها أيدي اليونان بقيادة الاكزندر الكبير (أو الاسكندر في التاريخ العربي)، الذي قام بإنشاء مدينة يونانية على شاطئ البحر المتوسط جنوباً، لتنطلق منها أساطليه البحرية إلى مناطق أخرى في العالم؛ وما زال ذلك الميناء والمصيف المصري يحمل اسمه مع التحريف العربي المتأخر. وقد خلف من بعد اليونان الإمبراطورية الرومانية، التي سيطرت على كافة المناطق التي تحيط بالبحر المتوسط، وأصبحت الإمبراطورية العظمى في العالم؛ ومن خلال مصر استطاعت أن تهيمن على السواحل الغربية للبحر الأحمر، وكذلك على شمال أفريقيا، خاصة المناطق التي كان يحكمها البونيون (أو الفينيقيون المتأخرون فيما يعرف حالياً بتونس)، وعلى مراكزهم المتحضرة في قرطاجنة، أو ما أصبح يعرف في اللاتينية باسم «كارتاجو». وخلال القرن السابع الميلادي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية، ليهيمن عليها العرب لأول مرة في التاريخ، وكانوا يرون فيها خيراً عظيماً، وتواصوا بها في الدول الإسلامية المتعاقبة بوصفها جوهرة الهيمنة السياسية على منطقة الشرق، ومصدراً رئيساً لدعم اقتصاد الدولة وخزينة المال لمن تكون تحت حكمه. فتوالت صراعات الممالك عليها إلى أن امتدت إليها سلطة الدولة العثمانية، التي جعلتها إحدى ولاياتها المهمة، مع إعطاء واليها بعض الاستقلال السياسي، وحرية التصرف في الموارد. وقد جعلها ذلك تصعد تحت حكم المماليك المتأخرين إلى موقع اقتصادي وسياسي وعسكري مهم؛ حيث تحولت في عهد محمد علي باشا بالذات إلى بلد صناعي، وقوة اقتصادية لا يستهان بها. لكن القوى الدولية في العصر الحديث لم تكن لتغفل عن أهميتها، ومحاولة السيطرة عليها؛ حيث كانت محور الارتكاز في تخطيط عدد من تلك القوى، والبقعة الجاذبة لكل الباحثين عن مصادر الثروة، سواء تلك التي تريد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، أو استعماره والهيمنة من خلاله على بقية البلدان، ولم يكن ذلك بعيداً، حيث لم تكن تلك الفترة تتجاوز بكثير القرنين من الزمان؛ عندما غزا نابليون مصر، الذي أراد أن تكون هذه البلاد جوهرة له في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن خلال موقعها الاستراتيجي يسيطر على معابر العالم القديم، وطرق التجارة البرية والبحرية بين القارتين الآسيوية والأفريقية، ومنها إلى أوروبا والعالم الجديد. ومثلما سعى نابليون إلى إحكام سيطرته عليها، سعى أيضاً البريطانيون لاحقاً إلى ضمها إلى امبراطوريتهم، لتكون حلقة الوصل بين البحر المتوسط وجوهرة التاج البريطاني في آسيا (شبه القارة الهندية). فقد عقدوا صفقات مع أواخر ملوك مصر (من سلسلة المماليك)، ليكونوا حكاماً اسميين يتصرفون وفق رغبات البريطانيين، وهو ما أثار حنق القوى القومية في البلاد، لتحشد طاقاتها في صراع مع الملكية، إلى أن حدثت ثورة يوليو عام 1952م، التي أوصلت المصريين لأول مرة في التاريخ إلى حكم أنفسهم. وما بعد هذه الثورة يعرفه كثير من القراء؛ إذ توالى على الحكم - بعد فترة وجيزة للقائد الصوري للثورة اللواء محمد نجيب - ثلاثة من ضباط الجيش (جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك) لمدة 59 عاماً، قبل أن تحدث ثورة ما سُمي «الربيع العربي»، في سنة 2011م، لتجرى انتخابات نيابية ورئاسية بعدها، ويتولى السلطة جماعة «الإخوان المسلمين»، وتحدث ثورة مضادة. ثم تسفر انتخابات جرت عقب تلك الأحداث عن فوز العسكر بالرئاسة مرة أخرى بعد فاصل قصير جداً. وفي الجزء الثاني نتناول آثار تلك التحولات على المستوى الاجتماعي.