د. فالح العجمي

أين رونالدو وميسي العربيان؟

ربما يُستغرب طرح مثل هذا السؤال، خاصة أن هاتين الشخصيتين استثنائيتان، ولهما موهبة نادرة الحدوث؛ لكن هل يصعب وجود الاستثنائيين في البيئة العربية (سواءً في مجال كرة القدم أو غيرها)، وهل تعدم البلدان العربية وجود المواهب؟ في الواقع يوجد من الناحية النظرية مثل هذه المواهب عند العرب، لكنها غالباً تهاجر إلى البلدان التي تحتضنها، أو تموت وتندثر دون علم أحد أو مع تحسر بعض المهتمين من حولها على عدم رعايتها. ومن تلك المواهب الكروية العربية– من أجل التمثيل لا الحصر– بنزيمة ومحرز في الدوري البريطاني، والداهية زين الدين زيدان مدرب فريق ريال مدريد حالياً، وكان لاعباً في الدوري الإيطالي، ثم في ريال مدريد في نهاية المطاف، وفي الوقت نفسه كان نجم المنتخب الفرنسي وقائده في بطولة كأس العالم الوحيدة التي حازتها فرنسا في عام 1998م. وقصة هذا اللاعب ملفتة؛ حيث كان لاعباً صغيراً في مرسيليا عندما لفت الأنظار لموهبته، فعرض عليه الفرنسيون الجنسية الفرنسية ليلعب لمنتخبهم. لكنه رفض مفضلاً أن يرتدي قميص المنتخب الجزائري (بلده الأصلي)، وعندما وصل إلى الجزائر، ورأى تعامل بلده معه، عاد أدراجه إلى فرنسا، ووافق على أن يكون فرنسي الجنسية. وتكاد هذه النماذج تتكرر في عدة بلدان عربية؛ فحينما بزغ نجم سامي الجابر بوصفه لاعباً في نادي الهلال السعودي، وقائداً للمنتخب السعودي تضافرت الجهود ضده، للتقليل من شأنه وتكسير مجاديفه (كما يقولون في اللغة المحكية). وعندما اتجه للتدريب حاربه بعض المثبطين، حتى من المنتمين إلى فريقه السابق؛ فأصبح تركيزه على عمله دون تدخلات وشوشرة أحد الأمور الصعبة في نادي الهلال خلال تلك المرحلة. فتعالت الأصوات الرافضة لسامي الجابر بين التيارات الداعمة للفريق، مما جعله يقال من التدريب خلال موسم واحد، قاد الفريق خلاله إلى الترتيب الثاني في دوري عبداللطيف جميل. ولو كان الجابر مدرباً أجنبياً، لعدوا ذلك نجاحاً له من أول سنة مع الفريق، لكن تلك المواقف معروفة ضد بعض الكفاءات. غير أنه بعد أن خاض تجربة إدارية جيدة في قطر، وتدريبية في الإمارات، أصبحت قيمته في السوق المحلي أكبر؛ فتعاقد معه لهذا العام نادي الشباب السعودي، ويُتوقع أن يحقق معه نجاحاً متميزاً. والشيء نفسه كان يتكرر في الرياضة مع خالد القروني وصالح خليفة والخراشي وناصر الجوهر، الذين يؤتى بهم في الأزمات فقط، بوصفهم حلولاً مؤقتة ريثما يأتي الخبير، الذي يلتهم ميزانيات الأندية،. وهؤلاء الخبراء لا يأتون في الغالب بقيمة مضافة إلى الوضع الفني للفرق أو المنتخبات، بل بعضهم ينجح بسبب تكتيكات معينة، ريثما تفقد بريقها مع الزمن. فلو استثمرت تلك الأموال المهدرة في مدارس كروية يتعلم فيها الصغار، ويقوم عليها مدربون وطنيون، لكنا حققنا تقدماً في هذا المجال، وأعطينا كذلك قدوة لبقية أجهزة القطاع العام، ولمؤسسات القطاع الخاص على حد سواء. إذاً المشكلة ليست في الأشخاص، ولا في الكفاءات، وربما حتى ليست في القيم؛ بل هي في النسق الكامل، وفي مواقع فلترة القرارات، وعدم مراجعتها، عند ما تتكرر الإخفاقات في الفريق نفسه، أو في تجارب هيئات الرياضة المختلفة. وفي النهاية، من لم يغربل أوضاعه، ويعرّضها للنقد والمراجعة في كل حين، فلن يحقق تقدماً يذكر، بل ستبقى كل مجموعة إدارية تتنصل من مسؤوليات الفشل، وتلقي به على جهات أخرى كالطاقم الفني، أو اللاعبين أو الحكام، أو حتى القضاء والقدر والسحر والعين إلى آخر تلك المخارج، التي تبرئ بها ساحتها. وعودة إلى الإجابة عن سؤال الافتتاح، النتائج المذهلة والعينات المتميزة لا تنشأ من فراغ؛ فاللاعبون الذين ينتمون إلى طراز رونالدو وميسي لا ينبتون من الأرض، بل تولدهم إجراءات تراكمية لصناعة النجوم، وكذلك إجراءات أخرى أكثر تعقيداً للحفاظ عليهم، واستغلالهم في المواقع المناسبة، وتحت إشراف الكوادر المناسبة. فاللاعب الجيد تبنيه عوامل بيئية صحية متكاملة، وجرعات تدريبية ملائمة ومستمرة، وتغذية مثالية على مستويات عالية، وثقافة ذاتية لدى اللاعب ولدى بيئته الخاصة وعائلته ورفاقه، وفوق كل ذلك نظام اجتماعي راقٍ، وتعامل في المنشأة وخارجها، وحتى مع اللاعب قبل أن ينتمي إليها، يجنبه السقطات الأخلاقية والاهتزازات النفسية جراء الضغوط، التي يتعرض لها اللاعبون في المواسم الاحترافية الطويلة والمتعبة. فكم نسبة ما تراعيه إدارات الفرق أو المنتخبات من هذه العوامل عند التعامل مع اللاعبين والمدربين؟ وإلى أن ترتقي المفاهيم نقوم بالفرجة فقط!