محمد السماعيل

تعليمنا وتعليم بيلاروسيا

الكلام عن التعليم في بلادنا طويل وذو شجون، ولست أنوي الحديث هنا عن تقصير (مخرجات التعليم) في رفد الوطن باحتياجاته من المهرة والفنيين القادرين على مجاراة التغيرات التي يعيشها العالم، فهذه أمور غير خافية على أحد، وتناولتها الاقلام كثيرا، ولكن بتفاؤل أقول: إحقاقا للحق، أجدني اليوم - أكثر من أي وقت مضى - متفائلا وقادرا على الجزم بأن القائمين على أمر التعليم في بلادنا يحاولون استخدام ما هو متاح من إمكانات لتحقيق كل الأمنيات، فهم - اليوم - يواكبون المستجدات ويواجهون التحديات بخيارات تستجيب لتطلعاتنا وطموحاتنا، ولا شك لدي في أن معالي وزير التعليم الدكتور أحمد بن محمد العيسى يدرك ذلك، كما يدرك أن العالم يشهد تنافسا كبيرا في مجال المعرفة، وأن التوجهات العالمية المعاصرة تتجه في المستقبل إلى زيادة الاعتماد على جودة الإنجازات التعليمية، والاستثمار المعرفي في الموارد البشرية، لذا شمر - معاليه - عن ساعديه وحصل مؤخرا على موافقة مجلس الوزراء الموقر على مذكرة تعاون علمي وتعليمي بين وزارته ووزارة التعليم في جمهورية بيلاروسيا، وازعم أن هذه الخطوة تعبّرعن رؤية جديرة بالاهتمام على المدى البعيد، وفيها مكاسب كبيرة ومتعددة تتناغم مع مشروع الوزارة وخطتها الاستراتيجية.الاستفادة من الخبرات الدولية تعني تعميق التواصل مع الثقافات الأخرى وتفعيل المعنى الحقيقي للتلاقح الحضاري، كما تعني توسيع قاعدة المشاركة مع الدول الصديقة، ورفع جودة مخرجات التعليم، وتوفير فرص التعليم للجميع، وهذا يتماشى مع رسالة وزارة التعليم، كما يتماشى مع أهدافها التي تنص في بعض بنودها على (توفير فرص القبول للطلبة للالتحاق بمراحل التعليم، والابتعاث الخارجي للمتميزين للوفاء باحتياجات التنمية ونقل المعرفة، وتعزيز الشراكات المحلية والدولية).والآن دعني - عزيزي القارئ - أنتقل بعد هذه المقدمة إلى ما لابد منه، وأطرح هذا السؤال (المفتاح)، ثم أجيب عنه (لماذا بيلاروسيا)؟تقع بيلاروسيا أو روسيا البيضاء في أوروبا الشرقية، وقد أعلنت الاستقلال في 25 مارس 1918م لتصبح جمهورية بيلاروسيا، وعاصمتها (مينسك)، ويصل عدد سكانها الى حوالي 10 ملايين نسمة، وتشكل الغابات 40% من مساحتها، ويعود تاريخ بعض هذه الغابات الى القرن الخامس قبل الميلاد، وأقوى قطاعاتها الاقتصادية الزراعة والصناعة، ومنذ عام 1995م أصبحت اللغتان الرسميتان في البلاد هما البيلاروسية والروسية، وبيت القصيد هنا، وخلاصة الخلاصة هي أن معالي الوزير أحسن الاختيار، والأمر المشجع على الدخول مع بيلاروسيا في مجال التعاون العلمي والتعليمي هو أن نظام التعليم فيها يعتبر من أحد الأنظمة التعليمية المرموقة وذات الجودة العالية، والمؤهلات العلمية هناك معترف بها دوليا بحسب اتفاقية (لشبونة) التي وضعت من قبل المجلس الاوروبي بالاشتراك مع منظمة اليونسكو في عام 1997 م، كما ان جامعات بيلاروسيا تعتمد نظاما داخليا لضبط الجودة، تم تنسيقه مع المفوضية الأوروبية لتقييم المستوى الدراسي وفقا للمعايير الأوروبية والبيلاروسية، ولدى بيلاروسيا مؤسسات وجامعات تعليمية رائده في مجالات عديدة كالطب والهندسة تتبع وزارة التعليم هناك، ولديها العضويه الكاملة في منظمات اليونسكو، والجامعات الطبية البيلاروسية معتمدة عالميا، وتقدم الدعم للطلبة الأجانب فيما يتعلق بالتسجيل والاقامة وإمكانية الدراسة باللغة الإنجليزية أو الروسية، وفيها أكثر من 50 مؤسسة للتعليم العالي، ولعل الأكثر إثارة للاهتمام والجدير طرحه هنا، هو أن 15 من الحائزين على جائزة نوبل تعود جذورهم الى بيلاروسيا، وربما أن الذي يوفر لجامعات جمهورية بيلاروسيا ميزات تفضيلية عن غيرها اليوم، هو أن جامعاتها تحتضن حوالي 6000 طالب أجنبي فقط. وبمناسبة الحديث عن الطلبة الأجانب والابتعاث والمبتعثين، ثمة حكاية أريد الكلام عنها قبل أن أنهي مقالتي هذه، وهي: يحكى انه في عام 2015 م، وقع 50 طالبا من احدى الدول العربية في فخ الخداع (التعليمي)، حيث توجهوا للدراسة في جمهورية بيلاروسيا، وقاموا بدراسة السنة التحضيرية باللغة الانجليزية في أحد المعاهد التجارية التي لا تمتلك اتفاقيات موقعة مع الجامعات البيلاروسية، لذا اصبحت شهاداتهم التي حصلوا عليها من هذه المعاهد غير معترف بها من الجامعات البيلاروسية، وحين اكتشفوا الخدعة التي وقعوا فيها عادوا الى أوطانهم بخيبة امل كبيرة، والبعض منهم أخذ في البدء من الصفر مرة اخرى في معاهد معترف بها. ما من شك لدي في أن وزارة التعليم لديها الخطط الاستباقية لمثل هذه الاحداث، ولكن الشيء الذي أدعو إليه هنا هو الأخذ بالاعتبار أن بعض الطلاب المبتعثين ربما لا يتخذون التدابير اللازمة التي من شأنها تفادي الوقوع في مثل هذا الخطأ الشنيع الذي وقع فيه الـ 50 طالبا، هذا اذا كان لطلابنا نصيب في الابتعاث الى جمهورية بيلاروسيا.