عبدالعزيز اليوسف

لماذا لا يكتب سيرته؟!

في أحد البرامج الإذاعية التي كتبت نصا لها وأعددتها بمناسبة الذكرى الثانية للبيعة.. حظيت بمقابلة للتسجيل مع معالي الشيخ عبدالله البليهد.. وهو أحد القامات الوطنية الكبيرة التي خدمت الوطن من نافذة منطقة الرياض خصوصا وهو الذي مكث أربعين سنة يعمل مع خادم الحرمين الشريفين- حفظه الله- أثناء عمله كأمير لمنطقة الرياض.. كان اللقاء سهل الترتيب، وأنيق الإعداد.. فالموضوع جليل، والطرح جميل.. كان يتحدث بقلبه قبل فكره.. وهو يردد ويكرر اعتزازه بمرافقة خادم الحرمين هذه المدة الطويلة في عمل دؤوب، وتجربة ثرية.. بدأ يروي.. فكان معالي الشيخ يحمل مشاعر تفيض ودا، ويحتوي أحاسيس مشحونة بالوفاء.. انطلقت الأحاديث، وتدفقت الكلمات خلف بعضها بدأ يروي سيرة مملوءة بالأحداث، ومتزينة بالمواقف المختلفة.. كنا نسجل، ونتساءل، ونسأله وهو يستمر.. ويستمر.. كنت متعجبا من هذا الكم من المواقف، والمشاهد، والصور التي يرويها.. وكنت مندهشا من تلك القصص التي يذكرها.. فقد كانت «كنّاشة» وفصولا من التجربة، والخبرة..أنهينا التسجيل.. وتم إنتاج البرنامج.. وتمت إذاعته.. لم تكن هنا القضية.. ولكن القضية أن توقفت كثيرا.. وتعمقت بالتفكير.. استغربت من تواضع بل ندرة، وشح كتابة السيرة لدى كثير من القامات الوطنية، وأصحاب التجارب الثرية، وأهل الخبرات الغنية.. تأسفت طويلا حين تكون هناك كثير من الحكايا المثيرة، والروايات المشوقة، والخبرات القيّمة، و«السوالف» الطريفة.. وتيقنت أنه ستخسر بعض العقول من رصيدها المعرفي حين تحجب عنها مثل تلك السير.. وسوف يفتقد المجتمع الكثير من موروثه الثقافي، والاجتماعي.تأملت حالة الهوس، والتقليد، والمحاكاة الذي أنتج هذا الكم من الروايات المفبركة، والقصص المؤلفة، والحكايا المركبة.. وتألمت من تداعي البعض على تداولها والاطلاع عليها وهي في واقعها تخدم جانب الإثارة والتسلية أكثر من أن تقدم حصيلة معرفية نافعة.. بل إن البعض صار يكتب كل مستجن ومستهلك ومستغرب ومشاكس لكي يقال إن روايته أكثر مبيعا، وتداولا. كم هو مزعج أن تخلو الساحة الأدبية والثقافية في بلادنا من «أدب وفن السيرة» وتفسح المجال لأعمال فارغة لا تقدم قيمة مضافة للقارئ.. وتخيلت أن كل قامة وطنية أو رجل دولة خاض عمرا طويلا في العمل الوطني ومرت به الكثير من الأحداث، تخيلت لو كتب هؤلاء تجاربهم ومواقفهم وتفاصيل أخرى؛ لوجدنا أدبا ممتعا، وسيرا نافعة يستقي منها الأجيال العبرة والخبرة، ويستمتع بها المتأخرون ويمتعوننا بما فيها.. تذكرت ذلك المطرب الذي أزعجنا برغبته في كتابة سيرته.. وسألت ماذا سيكتب لنا هذا العبقري.. وما سيرته التي يريدنا أن نقرأها.. ما إنجازاته التي قد تخدم عقول الأجيال وليس أهواءهم.. وأنا أرى رجالا عصرهم الزمن، وعركتهم التجربة سنوات طويلة مع ذلك يحجمون عن كتابة سيرتهم.. في الغرب كثير منهم يبادر بكتابة سيرته أو قصته، أو حياته حين يمر أحدهم بتجربة وظيفية طويلة كانت، أو ثرية، أو معاناة حقيقية يمكن أن تفيد مجتمعه، وتنفع من حوله وقد ينوي بعضهم المتاجرة بها لكنها تبقى ثرية.. وتخيلوا أن سيرة هتلر إلى الآن تطبع وتوزع.. وللأسف هنا لدينا وهن في ذلك، وتردد وتخوف كبير، وعدم ثقة من صاحب التجربة بما يمكن أن يكتبه، أو لامبالاة، أو تثاقل كبير.. وبعضهم قد يردد «ما الفائدة» أو ماذا سأجني.. هنا أقول ليست القضية ما المقابل المنفعي لكاتب السيرة ولكن لينوي بها نفع مجتمعه وفائدة المتلقي حتى لو كان المتلقون قلة.. استثمار العقول صاحبة الخبرة لن يكون إلا من خلال استحثاثهم، واستفزازهم لكتابة رؤاهم، وأفكارهم، وأحداثهم، ورسائلهم المختلفة.. لذا أملي ألا يتقاعس هؤلاء عن الكتابة ولا ينظروا إلى مقابل معين.. أو يضعوا أمنيات وتوقعات.. ويبقى السؤال لماذا لا تكتب سيرتك؟ فلا يجيبك بحق.. لتكتبوا لأجلهم وأجل من حولهم، ولأجل مجتمعهم..