د. فالح العجمي

العقل بين العبء والمنفعة

هناك من يرى أن الإنسان أصلاً بطبعه كائن شرس وعدواني ويحرص على التغلب، ليس على المصاعب التي تواجهه في الحياة وعلى الأخطار الوجودية فحسب، بل وعلى بني جنسه من بقية البشر. وربما كانت هذه نقطة سلبية في تاريخ البشرية بوجه عام، وعائقًا دون التعاون وتحقيق التنمية ونهضة المجتمعات «بسبب الأعمال الضدية لأفراد تجاه آخرين». فالمرء يحتاج إلى تقليب عوامل الشك في كل شيء وعند كل أحد، قبل أن يُقدِم على قبول مبدأ التعاون مع من لا يعرفه جيدًا، وأحياناً حتى مع بعض المعروفين والمقرّبين «وهذا أنكأ على النفس من السوء الذي قد يكون متوقعًا من الغرباء». فهذه جميعا تمثل عبئًا على كل فرد، ويحتاج إلى عوامل احترازية، وخطوط صد لبعض الهجمات، التي قد يتعرض لها، مما يستهلك جزءًا من عقله في سبيل معرفة العوامل المعيقة لتعاونه مع الآخرين. وفي مدونات الفلاسفة، وبعض علماء الاجتماع يوجد تفريق بين العقل السلبي الذي يسعى إلى الضرر، ويبتكر الوسائل التي توصل إلى مساعي الشر وتؤدي إلى الضغينة والعداوات، والعقل الإيجابي، الذي تهمه عملية البناء، وتوطيد أواصر الخير بين الجماعة، وتكوين العلاقة الطيبة مع الآخرين، وعدم السعي إلى الإضرار بهم بأي حال. وبالطبع لن تكون المجتمعات البشرية كما هي اليوم، لو كان الناس جميعا ينقادون بسهولة إلى هداية العقل الإيجابي، ويدركون أن تأسيس العلاقات الطيبة، وزرع بوادر الخير لدى الآخرين هو في النهاية ما يجلب لهم العمل الجماعي المريح من جهة، ويجعل أوضاعهم النفسية مستقرة، ودواخلهم نقية وخالية من آثار الطاقة السلبية الناتجة عن إحن الضغينة والتنافس غير الشريف. فكيف يمكن أن يتكون مجتمع إنساني دون تعارض مخل مع الحق الطبيعي المطلق للإنسان في معاشه وراحته النفسية والمجتمعية؟ في الواقع أنه لا يوجد إطار نظري مجرّب في هذا المجال، عدا النظام الاجتماعي السياسي المسمى «النظام الديمقراطي»، حيث يكون اتحاد الناس في جماعة لها حق مطلق على كل ما في قدرتها. وتفوض تلك الجماعة فئة تختارها بموجب عقد ضمني، لتكون لها موضع القيادة، وتكون من مهمات القيادة الدفاع عن مصالح الجماعة والكيان السياسي الذي تكوّن نتيجة هذا التعاقد، كما تكون معنية بتوفير حقوق الأفراد المستحقة، كما يجري الفصل بين شؤون الناس في هيئات مستقلة ومعنية بهذه الحدود والمنازعات. وطبقاً لمقتضيات العقل، التي يفترض أن تحقق المنفعة للفرد وللجماعة، فإن المؤسسات العامة، ومؤسسات المجتمع المدني الداعمة لها، مدعوّة لأن تعلي من شأن العناصر الجالبة لقوة ما سميناه «العقل الإيجابي». إذ إنه دون حدوث ذلك بصورة قوية ومستمرة، لن تكون المغريات كبيرة للأفراد بالانخراط في جهود الكيانات الاجتماعية والسياسية المتداخلة، بل ربما سعى بعضهم إلى التشبث بخيوط أمل تحقق له «أو يوهمه آخرون بأنها يمكن لها ذلك» حماية من غوائل «العقل السلبي»، التي يترصده بها آخرون في الجماعة نفسها، أو في جماعات مجاورة، أو متقاطعة مع مصالحه التي يسعى إليها في حياته. وأول تلك العناصر المؤدية إلى قوة العقل الإيجابي أهمية هي حماية الأقليات «أياً كانت خصائصها أو حجمها بقوانين واضحة وصارمة لا مجال للتلاعب بها». ومنها كذلك الاهتمام بحالات الضعفاء، الذين يفقدون قوتهم أو سندهم الاجتماعي، فتكون طبيعة العقد الاجتماعي تكافلية تعوضهم ما يفقدونه من قوة، أو تواسيهم في حالة المرض والعجز. فمثل ذلك الاهتمام يجعل الانخراط في مسالك الكيان الاجتماعي والسياسي مطلبًا للجميع، ومحفزًا للعقل لأن يبدع في دعم الجماعة.*أستاذ جامعي في اللسانيات