د. مبارك الخالدي

إغلاقات «طبية» بالجُملة

وفقًا لخبر نشر في «اليوم» في الخامس من يناير الجاري، أغلقت مديرية الشؤون الصحية في المنطقة الشرقية في العام الماضي «2016» عددًا كبيرًا نسبيًا من المستشفيات والمجمعات الطبية، بعضها كان إغلاقه كليًا والبعض الآخر جزئيًا حسب الخبر. كما ألغت عددًا أكبر من تراخيص صيدليات، وأوقفت ممارسين صحيين عن العمل. على الرغم من احتواء الخبر العديد من الأرقام والاحصائيات، إلاّ أنه لم يتضمن معلومات وحقائق أخرى ذات أهمية كبيرة، فمضمونه أثار في ذهني «وربما في أذهان آخرين» تساؤلات عن أشياء جديرة بالكشف مثل توزيع المستشفيات المخالفة على مدن المنطقة، وذكر المدن التي سجلت العدد الأكبر من المخالفات والتجاوزات، ولكم سنة أو شهر كانت تعمل بدون تراخيص أو بتراخيص منتهية الصلاحية، وموقف المديرية من كل هذه التجاوزات، وعن وجود وسيلة أو وسائل بديلة لكشفها عدا الجولات التفتيشية الميدانية، وقبل كل هذه ما الأضرار التي لحقت بالمواطنين الذين تلقوا العلاج بتلك المستشفيات المخالفة أو اشتروا أدويةً ومواد طبية منتهية الصلاحية. الخبر من وجهة نظري ناقص، أو يعاني مما يسمى «UNDERREPORTING»، أي أن الراوي في الخبر يروي أقل مما ينبغي أن يرويه، وهذا عائد لسبب أنه لم ينقل كل ما يعرفه، أو لم يسع إلى الحصول على معرفة معلومات وحقائق أكثر مما ورد في الخبر لأنه لم يطرح الأسئلة التي تقوده الى تلك المعلومات والحقائق الإضافية والهامة من وجهة نظر شخصية، أو أن ثمة عوامل وظروفا حالت دون حصوله على المزيد من المعلومات مثل أن المديرية ذاتها لم تتح له فرصة الحصول عليها، أي أن المديرية هي من مارس الإخفاء لأسباب. إن نقل أو روي ما هو أقل مما ينبغي سرده صفة مميزة ومهيمنة في العمل الإعلامي، يقابلها على الطرف الآخر (OVERREPORTING) ويعني روي ونقل الفائض من المعلومات، وترديد غير الهام وغير الضروري، والمكرر الذي يتجاوز حدود الإملال. هكذا يبدو الإعلام في معظم أدائه. وتتجلى الصفة الثانية في أنصع تجلياتها في الهدير الإعلامي الخطابي والمديح المبالغ فيه، وتصوير ما هو في الحقيقة إنجاز بسيط وعادي سبق الآخرون إلى ما هو أفضل منه ومتجاوز له من ناحية التطور والفعالية على أنه الإنجاز الذي لا مثيل له ولم يسبقنا إليه أحد. موضوع مثل المخالفات والتجاوزات التي ترتكب في القطاع الصحي الخاص يستوجب التعامل معه بأكثر مقدار من الشفافية والصراحة والفضح، خصوصًا وأن هذا التصرف من قبل القطاع الطبي الخاص يشكل ظاهرة، والتجاوزات التي كشفت مديرية المنطقة الشرقية النقاب عنها، قد حدثت قبلها تجاوزات ومخالفات سواء في المنطقة الشرقية أم في المناطق الأخرى، فكأن تلك التجاوزات أصبحت أمرًا عاديًا يشير إلى بعضها قائمة «مواضيع ذات علاقة» أسفل الخبر في النسخة الالكترونية. إن استمرارها وانتشارها على رقعة الوطن أمر مقلق ومخيف، ويستدعي بالضرورة القيام بالبحث والتقصي العميقين؛ لمعرفة الأسباب وراء تكرار حدوثها، ومراجعة آليات كشفها، وإعادة النظر في الإجراءات العقابية التي تتخذ ضدها، وتحديد وتشخيص مقدار المسئولية تجاهها الذي تتحمله وزارة الصحة ممثلة بمديريات الشئون الصحية في المناطق.* كاتب وعضو الصندوق الدولي لدعم الثقافة في اليونيسكو