فتش عن «الإزاحة»
ارتسمت في مخيلتي صورة مثالية عن أحد الأصحاب، لذا كنت أحبه وأقدره، وكانت له مكانة كبيرة في قلبي، وما زالت مكانته وتقديره كما هما، ولكن أصابتني الدهشة عندما غضب فجأة، دون مقدمات، وأخذ يزبد ويرغي ويشتم ويتنكر لكل وشائج الإخاء والروابط والعلاقة الشخصية التي بيننا دون سبب وجيه يستدعي الغضب، وقد تعجب- عزيزي القارئ- كل العجب، وأنا أشاطرك العجب أيضا، وقد تتساءل أغرب التساؤلات عن تصرف صاحبي هذا الذي وضعني في حرج أمام باقي الأصحاب، وجعلني أضع الكثير من علامات الاستفهام حول تصرفاته الاستعلائية الاقصائية، وفي الحقيقة لو طلبت من صاحبي- فيما بعد- تحديد السبب وراء انفعاله، لما استطاع تحديد السبب، وفي هذا يقول العالم الألماني (وليم شترن): إن الانفعالات الشديدة تؤدي إلى تدني كفاءة عملية الاسترجاع والتذكر، ويقول بعض علماء النفس: ليس في تصرف صاحبك هذا شيء من العجب أو الغرابة، ويفسرون ما بدر منه على أنه استخدام لإحدى (الحيل الدفاعية) التي سماها علم النفس (الإزاحة) DISPLACEMENT وهي إحدى العمليات العقلية، اللا شعورية، التي يضطر فيها الفرد إلى قمع انفعالاته، وتحويلها لا شعوريا تجاه موضوع آخر، غير الموضوع الذي أثارها في الأساس دون إدراك، وهنا أدركت أن سلوك صاحبي العدواني جاء نتيجة لموقف سابق قد تعرض له، أو ربما ان أحدا من المحيطين به شحنه بمعلومات مغلوطة أو مارس عليه عملية (غسيل المخ) كما يُعمل في الحروب مع أسرى الحرب! عندما تقوم بعمل ما، يقولون: أنت مسئول عما تفعله، وإن ما فعلته هو بإرادتك وحريتك، وهذا يقودني إلى التعمق في الحديث عن (الإزاحة) التي هي إحدى الأمراض النفسية، وتسمى (الحيل الدفاعية) التي يصاب بها بعض الناس نتيجة لضغوط نفسية وقعت عليهم من قبل آخرين، إما لتعرضهم لموقف ما، أو بسبب مشاكل أسرية أقلقت راحتهم وشتتت تفكيرهم، ما جعلها تطلق الغضب ولا تدع مساحة للتفكير الصحيح؛ لأن الغضب سد منافذ التفكير السليم. من أوضح الأمثلة على (الإزاحة) هي أن يصب الزوج جام غضبه على زوجته لأي سبب تافه، فلا تستطيع الزوجة الرد فتسكت وتكظم غضبها، ثم فيما بعد تتسلط على أطفالها وتوبخهم أو تضربهم دون سبب وجيه، ثم لا يستطيع الأطفال الرد على أمهم، فيتسلطون على ألعابهم فيكسرونها، أو يتسلطون على الحيوانات الأليفة في المنزل ويضربونها بشدة، فكل واحد من هؤلاء يستخدم الحيل الدفاعية أعني (الإزاحة). تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي (فيديو) مسجل مؤلم لطفلين يضربان قطة صغيرة بكل قسوة، وكانت القطة المسكينة، تتحمل الضرب في صبر وجلد حتى أصبحت لا تستطيع السير، ولا يكاد الطفلان الشقيان يحفلان بموائها، كما تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مشهدا لفيديو آخر يعرض شابين وهما يعذبان كلبا في الصحراء ويقومان بصدمه بالسيارة مرات ومرات، وتساءلت ما الذي يجعل الطفلين يصبحان كالوحشين الكاسرين ويقومان بهذا السلوك العنيف، ويعاقبان حيوانا أليفا بهذه القسوة الممقوتة؟!، وما الذي يجعل الشابين يقومان بتعذيب الكلب بهذه القسوة؟!.. تأثرت لهذه المشاهد أيما تأثير، وتألمت منها أيما ألم، وبعد التمحيص وجدت أن ما أصاب هؤلاء هو ذات (الإزاحة) التي أصابت صاحبي. في كل الأحوال بعض علماء النفس قالوا: لا يمكن اعتبار جميع الدوافع الإنسانية حيلا لا شعورية، وإن هذه النظرية لا تخضع للتجريب العلمي، وبالتالي لا يمكن التحقق علميا من صحة فرضياتها.. والله أعلم.