نموذج التطرف الخطير
كنا قد تشرّبنا ما درسناه في المدارس من أن «المؤمن ليس لعانًا ولا طعانًا ولا فحاشًا»، وقبل استفحال ظاهرة ما كان يطلق عليه «الصحوة»؛ لكن دهاقي الإسلام الحركي أبوا إلا أن يقلبوا الصورة التي كان المجتمع يتعايش فيها بسلام بين مكوناته المختلفة في الداخل، ومع ما يفد إليه من أفكار مناسبة من الخارج. فتغيرات بوصلة التوجيه لهذه المسوخ، التي تتبوأ أحياناً مواقع رسمية للوعظ أو الخطب الدينية، أو فضاءات اجتماعية في المناسبات والمجالس الخاصة، أصبحت تخدم أجندات متطرفة ومعولمة؛ تبحث عن فرص دس الفتن من خلال الأفكار الدينية، التي يظنون أنها أنسب الوسائل للتغلغل في المجتمع ونخره من الداخل. يوجد بالطبع من يفهم بعض المسائل الدينية فهمًا متطرفًا؛ سواء بالتأويل البعيد عن سماحة السلوك ومرونة الفكر، أو بالطبيعة المتصحرة للبحث عن أقسى أشكال العبادات والطقوس. لكن ذلك كله يمكن قبوله في إطار الاجتهادات الممكنة في أي فكر ديني، تتعدد مصادره وتتسع رقعة تطبيقاته بناء على تنظيرات المناطق الجغرافية والبشرية المتباينة والفرق والطوائف المختلفة. أما ما لا يمكن قبوله، فهو الانزلاق نحو الإساءة المباشرة لأفراد وجماعات تعيش حياة سوية مثل بقية المجتمعات على وجه الأرض، نتيجة خلل في الفهم وقبح في التأويل وبجاحة في تصور الهيمنة على المجتمع من خلال ترديد بعض المقولات المستهلكة. فالخطبة التي تسربت عن أحد مدّعي التدين، وهو خطيب رسمي في مسجد يتبع لوزارة الشؤون الإسلامية، واسمه ابن فروة، كانت مدعاة للتساؤل عن مصير الجهود المبذولة لمحاصرة التطرف الديني، الذي يقود بطبعه إلى الإرهاب، وتفتت المجتمع إذا جرى السكوت عنه. فقد عمد هذا المتمشيخ إلى إيذاء شرائح واسعة من الناس بشنه هجومًا شرسًا باسم الدين على كل من انتسب إلى الكليات الصحية (في مجالات الطب والصيدلة والتمريض) من النساء بالدرجة الأولى، والرجال الأطباء أو الصيادلة أو طواقم التمريض والخدمات الصحية (ببساطة كل من يوجد في كليات الطب والصيدلة والمستشفيات)، بألفاظ سوقية لا تليق بصراخ وخصومة بين فاقدي مروءة في شارع عام، فكيف لها أن يصدح بها في مسجد أقيم للعبادة والذكر وانتقاء الكلمات المناسبة للهدي الإلهي المتسامي عن ألسنة هؤلاء الشتامين الخارجين عن سنن المروءة. كما لم يكتف هذا المسخ بالتشنيع على كل المنتمين إلى أشرف مهنة إنسانية على الإطلاق؛ بل وأطلق التهم جزافا على كل من يسمح لابنته أو أخته بأن تلتحق بأي من هذه الكليات، أو يأذن لها بالعمل في تلك الأجواء الموبوءة (انطلاقاً من تصورات ذهنه المرضية). الشيء المفرح في الموضوع أن عددًا كبيرًا من فئات المجتمع المختلفة قد شن عليه حملة معاكسة، ورفض افتراءاته ورغباته بأن يعيد المجتمع إلى بوتقة حماهم المقدس، الذي يعرّفون فيه الفضيلة، ويقمعون من خلال تعريفاتهم أفراد المجتمع الذين لا يتواءمون مع منطلقاتهم وأجنداتهم الخفية. لكن ما لم يكن مقنعًا إلى الآن هو عدم تصرف بعض الجهات ومثله ما صدر عن بعض الشخصيات المرموقة من أن عليه أن يتوب؛ في حين أنهم يطالبون بمحاكمة من يصدر عنه أقل من ذلك بكثير من أناس حتى ليسوا في مواقع الوعظ. وذلك في ظني يدخل في ازدواج الأحكام إذا كان هناك تقاطع في الأهواء!*أستاذ جامعي في اللسانيات