د. حسن العالي

سياسات العمل النشطة وتخفيض البطالة

أصدر صندوق النقد الدولي مؤخرا تقريرا حول أسواق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سعى من خلاله لتقديم بعض الدروس للاستفادة منها في معالجة مشكلة البطالة المتنامية في هذه البلدان وخاصة بين الشباب مركزا على ضرورة ما سماه بسياسات العمل النشطة. لقد بات هدف تخفيض البطالة من أهم الأولويات الاقتصادية التي يركز عليها صناع السياسات حول العالم. وينطبق هذا بشكل خاص على منطقتنا وبقية دول الشرق الأوسط. فوفقا لتقديرات الصندوق يبلغ متوسط معدلات البطالة بين الشباب 25% في بلدان المنطقة المستوردة للنفط و 20% في بلدانها المصدرة له. ويمكن أن تصل البطالة إلى معدلات أعلى من ذلك نظرا للعدد الكبير من الشباب الذين يستعدون لدخول سوق العمل في كثير من هذه البلدان، على الأقل في الخمس السنوات القادمة - حيث يعيش في المنطقة اليوم 125 مليون شاب في الفئة العمرية 15-24 عاما.ولتخفيض البطالة وتشجيع خلق فرص العمل، يتعين وضع جدول أعمال شامل يجمع بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية. ويبين الصندوق من خلال دراسة تجارب الأسواق الصاعدة الناجحة أن جدول الأعمال هذا يبدأ ببيئة اقتصادية كلية مواتية ومستقرة، ويشمل سياسات تحقق تكافؤ الفرص بين المشروعات، وتعزز إتاحة الموارد الإنتاجية والخدمات المالية لكل شرائح السكان.ونظرا لمعدلات البطالة المرتفعة المزمنة في بعض هذه البلدان، تشهد المزيد من الدول إقبالا متزايدا على ما بات يعرف بسياسات سوق العمل النشطة التي تعمل بشكل مباشر مع العاطلين عن العمل لإخراجهم من دائرة البطالة. وتعمل سياسات سوق العمل النشطة عن طريق تعزيز مهارات الباحثين عن وظائف بما يؤهلهم لسوق العمل، والتوفيق بصورة أفضل بين العمالة والوظائف، وتشجيع خلق فرص العمل، والمشاركة في سوق العمل. وتؤدي هذه السياسات، إذا صُمِّمَت تصميما ملائما، ليس فقط إلى تخفيض البطالة بل إلى تخفيض الفقر وتعزيز العدالة أيضا. وعادة ما تنقسم سياسات سوق العمل النشطة إلى فئات خمس هي أولا التدريب بكافة أنواعه، وثانيا تطوير بيانات سوق العمل والباحثين عن العمل، وثالثا دعم الأجور، ورابعا توفير وظائف مؤقتة يستطيع الباحثون من خلالها التدريب على العمل، وخامسا تشجيع ريادة الأعمال والأعمال الحرة.ومن بين هذه الفئات من سياسات سوق العمل النشطة، يلاحظ الصندوق أن برامج التدريب هي الأكثر رواجا وانتشارا في دول المنطقة؛ لأنها تزود طالبي العمل بالمهارات والتدريب اللذين يبحث عنهما أصحاب الأعمال. ويمكن أن يساهم الدعم المؤقت للأجر أو التوظيف في مد جسر يؤمن العمل في الهيئات المختلفة عن طريق تخفيض تكلفة الموظفين الجدد التي يتحملها أصحاب الأعمال، بينما يمكن أن تتيح برامج الوظائف المؤقتة أعمالا مؤقتة، وربما تتضمن عنصرا تدريبيا.غير أن سياسات سوق العمل النشطة يمكن أن تصبح أقل تأثيرا إذا كان المستفيدون من البرامج مجرد بدلاء لعاملين آخرين، أو إذا أمنت البرامج وظائف لعمالة كانت ستعثر على وظائف في كل الأحوال، أو إذا اختارت البرامج مرشحين يُرجّح إلى حد كبير عثورهم على فرص عمل. وهناك أيضا مخاطر الوصمة التي قد تلتصق بالمستفيدين والنظرة السلبية إليهم من قِبل أصحاب الأعمال، مما يؤدي إلى فشلهم في العثور على وظيفة.وقد نجح عدد من سياسات سوق العمل النشطة في العديد من البلدان المتقدمة مثل برنامج Job Corps في الولايات المتحدة وبرنامج New Deal for Young People في المملكة المتحدة والبلدان النامية وبرنامج Jóvenes في أمريكا اللاتينية وهي أمثلة جيدة يمكن الاستفادة منها في تحسين البرامج ذات الصلة في دول المنطقة.ونحن نلاحظ أنه بالنسبة لدولنا الخليجية، تبرز بصورة خاصة أهمية عنصر مرونة وكفاءة سوق العمل الخليجية، وخاصة أنظمة وسياسات العمل في علاقتها الوطيدة بالتوجه الحالي نحو تعزيز دور القطاع الخاص في خلق الوظائف، حيث إن تنمية بيئة جاذبة للاستثمارات، مسألة يصعب تحقيقها في ظل أنظمة مقيدة لحركة العمالة. لذلك فإن التحديات الأساسية فيما يتعلق بإصلاح سياسات وأنظمة أسواق العمالة تكمن أولا في انسجام السياسات العمالية وتكاملها في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وذلك على المستوى المحلي لكل دولة، ثم على مستوى التعاون الإقليمي الخليجي، ويجب أن يهدف ذلك إلى تقليص الفجوة بين محدودية وجمود نظم الاستقدام المعمول بها واحتياجات القطاع الخاص، عبر اعتماد معيار اقتصادي لأنظمة الاستقدام. كما يتضمن ذلك تكامل وانسجام السياسات الخاصة بالعمل والاقتصاد التي برهنت التجارب على أن التعامل معها وفق سياسات جزئية أو منعزلة لا يمكن أن يكون ناجحا. وثانيا وجود إطار مؤسسي يوفر بيئة مناسبة لتكامل أدوار المؤسسات المعنية بموضوع العمل. وثالثا وجود شراكة ثلاثية على مستوى اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمالة ( الحكومات - أصحاب الأعمال - العمال).لذلك، ولكي يتم تحقيق الاستفادة من التجارب العالمية في مجال سياسات العمل النشطة يتوجب أولا أن تكون سياسات سوق العمل النشطة قادرة على استهداف المرشحين الذين يمكنهم تحقيق أكبر استفادة من هذه البرامج، وهو تحدٍ هام أمام دول المنطقة حيث نشهد بعض الأحيان تسربا كبيرا من برامج التدريب أو من الوظائف، ولتشجيع وقف هذه الظاهرة ينبغي تعزيز نظم تأمينات البطالة، كذلك تعزيز وتطوير قاعدة بيانات دقيقة للعاطلين. وثانيا، يمكن أن يكون بعض من هذه السياسات معقدا في التنفيذ مما يشكل عقبة أمام البلدان التي لا تمتلك القدرة المؤسسية اللازمة للقيام بهذه المهمة. لذلك لا بد من تعزيز قدرات الأجهزة المعنية بالإشراف على تنفيذ برامج ايجاد الوظائف للعاطلين والمتابعة الدقيقة. وأخيرا، يجب أن تتوافر لصناع السياسات البيانات والأدوات المطلوبة لمتابعة برامجهم وتقييمها وتحسينها، وهو أمر بحاجة في الوقت الحاضر لتطوير وتعزيز بشكل كبير.