مُزْنُ الإبداعِ تهطلُ في المهجر
يتوقع بعضهم من المفكر أو الكاتب أو الفنان آراءَ ومواقفَ سياسيةً متناغمة مع آرائه ومواقفه. فإذا لم تكن كذلك فإن أقرب عبارة إلى اللسان هي: «يا للخيبة. لقد سقط من عيني»! وفي مثل هذا المحيط الثقافي إذا سقط شخص من عين آخر سقط معه كل تاريخه الفكري والأدبي والفني. وفي هذه الحال لا يمكن الفصل بين موقف سياسي وقصيدة غزل. كل الأشياء تتساوى في عتمة ذلك الانقلاب الدرامي. ولا أهمية لما قد يسوقه الآخر من حيثيات لشرح موقفه. والقراءة المشوشة للأفكار والمواقف لا تؤدي إلى استنتاجات صائبة. وفي إطار هذه «المزايدة» العقيمة فإنه لا تثريب على أي مبدع يسقط من تلك العين التي تنقصها الرؤية الصافية. السياسة ميدان واسع للاختلاف، وهي مجازفة لمن اختار الإبداع الأدبي والفني واستنشاق هواء القمم العالية. غير أنه لا يوجد أحد بمنأى عن السياسة، من السياسي نفسه إلى أي شخص عادي. كل واحد من أولئك هو إنسان سياسي. لكن ينبغي التريث هنا قليلا لنتأمل الفرق بين الرأي السياسي والانخراط في اللعبة السياسية، أي بين الموقف السياسي والالتزام بموقف سياسي أو ايديولوجي محدد. أي الحالة التي يصاب فيها المرء بعمى الألوان، ولا يسمع إلا صوته، ويميل إلى الكيل بمكيالين، و«تطير» فيها العنز. في برنامج «ضيف وحكاية» الذي يبث على الفضائية الألمانية، وتقدمه سماح الطويل، يرى الكاتب السوري المهاجر رفيق شامي أن الالتزام السياسي والأيديولوجي قد يجبر الكاتب على «بلع» أشياء يصعب «بلعها» وهضم أشياء يصعب هضمها. و.. «أنا معدتي صغيرة» لا تحتمل ذلك. وضرب مثالا على التناقض الذي وقع فيه الأديب التشيكي فاتسلاف هافيل بعد أن أصبح رئيسا لجمهورية التشيك. الاستقلالية، إذن، هي أولى شروط الإبداع. لذلك فإن الالتزام السياسي والإبداع لا يجتمعان في قلب واحد، وإن اجتمعا أزاح أحدهما الآخر. وتظل الحرية أحد أهم الشروط لتحقيق تلك الاستقلالية. تسأل سماح الطويل ضيفها عن سبب هجرته إلى ألمانيا، فيجيب بأن ذلك يعود إلى اتساع هامش الرقابة ومحاولة الإحاطة بكل شيء هناك في بلده، مما يضطره إلى حذف كل ما يزعج الآخرين. وقائمة المنزعجين في المحيط الاجتماعي العربي طويلة (سلطة عشيرة قبيلة طائفة) وكذلك حراس الفضيلة، وأعضاء لجان الأخلاق. ويمكن أن يضاف إلى ذلك الحالة الخاصة التي تناولتها في مقدمة هذا المقال. وفي هذه الحال، قد يجد الكاتب نفسه مجبرا على عدم إزعاج تلك القائمة الطويلة، أو يجد نفسه مرغما على السباحة مع التيار كسمكة ميتة. لذلك، كلما اتسعت دائرة «الرضا» الاجتماعي ضاقت دائرة الإبداع. هل هذا هو السبب الوحيد لهجرة طيور الإبداع؟ لا. هنالك أسباب أخرى يمكن أن نستشفها من عبارة رفيق شامي هذه: «تنجح كتبي حول العالم ويحرم منها أبناء بلدي». نعم. فقد ترجمت كتبه إلى 28 لغة، وحصد أكثر من عشرين جائزة من ألمانيا وسويسرا وهولندا وأمريكا. وما كان سيحقق ذلك الحضور الأدبي لو لم ينتقل إلى ذلك المحيط الثقافي المنفتح بمؤسساته الثقافية الرسمية والأهلية التي تتواصل مع الكتَّاب، وترصد أعمالهم وتقيمها، وتتبنى ترجمتها. وإلى جانب ذلك كله دورُ نشرٍ تصون حقوق المؤلف، ومجتمعٌ قارئ، وقارئٌ لا يسقط الكاتب من عينه، ويسقط معه كل إنجازه الفكري والإبداعي لأن له رأيا مختلفا في قضية تتعدد حولها المواقف والآراء.