د. حسن العالي

القمة الخليجية ومسيرة التكامل الاقتصادي

من الواضح أن القمة الخليجية التي اختتمت أعمالها في المنامة الأسبوع الماضي، أوكلت لهيئة الشئون الاقتصادية والتنموية مسئولية متابعة تنفيذ مشاريع التكامل الاقتصادي الخليجية، وفي المقدمة منها الاتحاد الجمركي الخليجي والسوق الخليجية المشتركة، وصولا لتطبيق قرارات المجلس الأعلى فيما يتعلق بتطبيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في كافة المجالات، وكذلك تلبية حاجة دول المجلس إلى تكتل اقتصادي يضعها ضمن أكبر اقتصاديات العالم، ويعزز من فاعلية الاقتصاد الخليجي وقدرته التنافسية والتفاوضية، ويؤكد مكانة ودور دول المجلس في الاقتصاد العالمي.يلاحظ من البيان الختامي للقمة الخليجية أن هناك إصرارا على استكمال مسيرة التكامل الاقتصادي من خلال تفعيل آليات العمل المشترك، حيث ينتظر أن تتحول الهيئة إلى آلية تمتلك صلاحيات كاملة للمباشرة في تنفيذ كافة القرارات المتفق عليها فيما يخص قيام الاتحاد الجمركي وتفعيل السوق الخليجية المشتركة.إن تحقيق المواطنة الاقتصادية المتساوية هي حجر الزاوية في مسيرة التكامل الاقتصادي. ويجب أن يستشعر المواطن العادي مثلما يستشعر رجل الأعمال والمستثمر أنه قادر على التحرك بحرية للعمل والاستثمار في أي بلد خليجي بنفس المزايا التي يحصل عليها المواطنون في هذا البلد. ولا شك أن الكثير من الخطوات والإنجازات قد تحققت على هذا الطريق، حيث يوضح تقرير صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون أن الأعوام العشرة الماضية شهدت تصاعدا ملحوظا في عدد المستفيدين من قرارات المواطنة الاقتصادية الخليجية والسوق الخليجية المشتركة التي سمحت لمواطني دول المجلس بممارسة الأنشطة الاقتصادية في الدول الأعضاء الأخرى. فقد بلغ العدد التراكمي للتراخيص الممنوحة لمواطني دول المجلس لممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في الدول الأعضاء الأخرى 76991 رخصة حتى عام 2015م، مقارنة بـ 16215 رخصة في نهاية عام 2006م، وبنسبة نمو قدرها 375%.. ومنذ العام 1982 اتخذت دول مجلس التعاون قرارا بالسماح لمواطني الدول الأعضاء الطبيعيين والاعتباريين بممارسة عدد من الأنشطة الاقتصادية في دول المجلس الأخرى. كما سمح في نوفمبر 1986 لمواطني دول المجلس بممارسة تجارتي التجزئة والجملة في جميع الدول الأعضاء. وفي العام 2000، تم السماح بممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والمهن، باستثناء سبعة عشر نشاطا، جرى تقليصها تدريجياً حتى أصبحت محصورة في أربعة أنشطة هي خدمات الحج والعمرة، ومكاتب استقدام العمالة الأجنبية، وإنشاء الصحف والمجلات ودور الطباعة والنشر، والوكالات التجارية.وفي مجال الاستفادة من قرار مجلس التعاون بالسماح للبنوك التجارية بفتح فروع لها في الدول الأعضاء الأخرى، فإن الاحصائيات تظهر زيادة ملحوظة في عدد تلك الفروع خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث ارتفع العدد من أربعة عشر فرعا في العام 2005م إلى سبعة وعشرين فرعا في عام 2015.كما تشير بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون إلى أن قرارات المجلس لتسهيل انسياب السلع بين دول مجلس التعاون قد أسهمت في رفع قيمة التجارة البينية من حوالي 6 مليارات دولار في العام 1984 إلى حوالي 115 مليار دولار في العام 2015. ويلاحظ التأثير المباشر لقرار إقامة الاتحاد الجمركي الخليجي في عام 2003 على نمو التجارة البينية، حيث شهد التبادل التجاري بين دول المجلس زيادة ملحوظة في السنة الأولى لقيام الاتحاد بلغت ما نسبته 51%. كما عملت دول المجلس ومنذ السنوات الأولى على إزالة الحواجز الجمركية بينها فيما يخص منتجاتها، وأعفت تلك المنتجات من الرسوم الجمركية، وعاملتها معاملة السلع الوطنية. ومنذ العام 1983 أقامت دول المجلس منطقة تجارة حرة، ثم اتحادا جمركيا مطلع العام 2003. وقد تخلل تلك السنوات، إقرار عدد من القوانين والأنظمة والسياسات التي سهلت انسياب تنقل السلع والخدمات ووسائط النقل بين الدول الأعضاء، وشجعت المنتجات الوطنية، وفعلت دور القطاع الخاص في تنمية صادرات دول المجلس.كما تظهر بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون الآثار الايجابية المباشرة لقرار السماح بتملك وتداول الأسهم وتأسيس الشركات المساهمة، والمتمثلة في ارتفاع نسبة الشركات المساهمة المسموح تداول أسهمها لمواطني دول المجلس من إجمالي مجموع الشركات المساهمة من 20% في العام 1985م إلى ما نسبته 95% في عام 2015، حيث بلغ عدد الشركات المسموح تداول أسهمها لمواطني دول المجلس 659 شركة مساهمة، برأسمال يصل إلى أكثر من 259 مليار دولار. والجدير بالذكر أن نسبة الشركات المساهمة المسموح تداول أسهمها لمواطني دول المجلس في كل من دولة قطر ودولة الكويت قد وصلت إلى 100%، أما في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة فقد وصلت إلى ما نسبته 98% و96% و95% و78% على التوالي. كما شهد تملك مواطني دول المجلس للعقار زيادة كبيرة خلال عام 2015م، حيث سجلت 33824 حالة تملك، وبنسبة زيادة قدرها 44% مقارنة بالعام 2014م، الذي سجلت فيه 23509 حالة تملك. لقد شهد تملك العقار من قبل المواطنين في الدول الأعضاء الاخرى ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأعوام العشرة الماضية، وبما تصل نسبته إلى 454%. ويمثل السماح بتملك مواطني دول المجلس للعقار في الدول الأعضاء الأخرى أحد المسارات العشرة للسوق الخليجية المشتركة التي حددتها الاتفاقية الاقتصادية لعام 2001م، حيث يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز.وجميع هذه الخطوات والإنجازات تعتبر علامات بارزة على طريق التكامل الاقتصادي، لكن وإزاء تصاعد التحديات الاقتصادية العالمية التي تواجهها دول المجلس، وفي المقدمة منها تراجع الإيرادات النفطية وحاجة دول المجلس لتنويع مصادر الدخل وتسريع عرى التكامل بهدف إقامة التكتل الاقتصادي القوي، فإن آليات التكامل والاتحاد يجب أن تفعل أيضا لتسريع التفعيل التام لكل من الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، وتمهيدا للعمل بكل جد نحو الوحدة النقدية خلال الأعوام المقبلة. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/211435861879de6ee62835ac793f4267_Untitled-5.jpg)الكثير من الإنجازات تحققت على طريق التكامل الاقتصادي