يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها
في تقرير نشر في مجلة القافلة عن حال المياه عالميا، ورد أنه من أصل كل كتلة المياه الموجودة في العالم، فإن 1% فقط يصلح للاستهلاك وفي متناول الإنسان، وأن ثلث سكان العالم يعانون اليوم من قلة المياه العذبة. وفي كل عام يموت ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف شخص في العالم؛ بسبب أمراض مرتبطة إما بشح المياه، أو بتلوثها. ومن بين هؤلاء يموت طفل كل عشرين ثانية. كما أن الأمراض الناجمة عن المياه الملوثة تمثل نحو 80% من مجموع الأمراض في العالم، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ثلثي سكان العالم سيعانون من الجفاف بحلول عام 2050م. ولا يوجد أحد شبه مطلع على ما يدور في مجالس الناس أو في وسائل الإعلام لدينا خلال فترة الشتاء والأمطار، إلا ويصيبه الذهول من العدد الهائل من الشكاوى والتذمر من أوضاع البنية التحتية في بعض مدننا الكبيرة من جهة، ومن الأرواح التي تزهق في سيول الأودية أو المضار المادية التي تحدث نتيجة لذلك. وبالطبع، يتجه اللوم إلى المؤسسات المسؤولة عن ذلك، وتتبارى التحقيقات في تقصي أسباب الفساد المؤدية إلى فشل مشاريع تصريف السيول، والتحسب لها بعدم توزيع المخططات التي تقع في مجاريها، أو صيانة الطرق والشوارع بصورة دورية، لكي تبقى منافذ المياه سالكة. لكن من ناحية أخرى، كيف لوزارة التخطيط أو أي جهة حكومية أخرى - إذا كان يوجد في هذه المؤسسات خطط إستراتيجية- أن تتجاهل إمكان وضع خطط وطنية شاملة للاستفادة من هذه المياه بهذا الكمّ الهائل في موسم الأمطار، وحفظها بالطرق المناسبة لأماكن تواجدها؛ سواء كان ذلك بالسدود أو تحويل مجاريها إلى مناطق تجميع لها في بحيرات، تجعل استخدامها في الشرب أو الري والمنافع الأخرى مجدية في هذه البلاد التي تعاني من شح المياه، بدلاً من جلب جميع مياه الشرب المحلاة من مدن الساحل الشرقي أو المياه الجوفية الناضبة؟ أتصور أنه يفترض أن توجد لدينا أقسام أو كليات، بل ربما مراكز شاملة أو جامعات متخصصة في شؤون المياه وأوضاع التصحر؛ لمعالجة ظروفنا، والخروج بتوصيات علمية قابلة للتطبيق في بعض الظواهر التي لا توجد في بلاد أخرى، كما هي عندنا، سواء من ناحية المبدأ أو درجة التحدي لوسائل العيش الطبيعية. ففي بدايات اعتماد البلاد على الثروة النفطية أنشئت في الظهران بالمنطقة الشرقية كلية للبترول، أصبحت فيما بعد جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؛ وفيها التخصصات التي تحتاجها الصناعة النفطية. فكان هناك نوع من التواؤم بين ما يُدرس فيها، وما تحتاجه مؤسسات صناعة استخراج النفط وتكريره، وفي وقت لاحق الصناعات البتروكيماوية، التي نمت في المنطقتين الصناعيتين في كل من الجبيل وينبع. وفي ظني أن أهمية المياه ومكافحة التصحر أهم من الناحية الوجودية، وفي ظروفنا الحالية، التي نتجه فيها إلى الاستغناء التدريجي عن الاعتماد على النفط. فمن هنا كان يفترض أن يصبح لدراسة سلوك الكثبان الرملية، والاهتمام بالعوالق الترابية، والبحث عن أنواع من النباتات، التي تعيش في المناطق الصحراوية؛ وأهم من ذلك كله الاهتمام بالطرق المختلفة للحصول على كل ما يمكن من المياه سواء من الهواء أو من السحب وغيرها من المصادر. فكيف يفوتنا أمر الاستفادة من هذه المياه العابرة في بعض المناطق بقوة، حيث تتجه إلى البحار أو إلى مناطق رملية تضيع فيها؟ وعندما شاهدت على أطراف الطريق بحيرات مهولة في الرمال، تذكرت مقولة الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ!