عالم «بلا قافية»
حين يقول لك أحد الأصدقاء العرب أثناء حديثه معك «بلا قافية»، فلا علاقة لهذه العبارة بالقافية، أي الحرف الأخير من بيت الشعر. وإنما المقصود بذلك أن الكلام واضح ولا يحتمل التأويل. وهو تنبيه لا بد منه لإزالة أي التباس قد يحمّل الكلام ما لا يحتمل. لأنك حين «تقفو» الكلام فأنت تفسره على غير معناه متبعا الحدس والظنون. والسؤال هو: هل يوجد عالم «بلا قافية»؛ عالم يتسم بالشفافية والوضوح، وتسمى فيه الأشياء دائما بأسمائها؟ سئلت مرة سؤالا مشابها مبنيَّا على عبارة للأديب الفرنسي جان كوكتو هي: «ينبغي للإنسان الذي يريد أن يعيش، أن يقول نصف الحقيقة ويخفي نصف الشعور» فهل تعيش بنصف الحقيقة؟ نعم، هو كما يفترض هذا السؤال/ الجواب. فنحن نمارس نصف الضجيج، ونقول نصف الحقيقة، أو أقل من ذلك. إلا أنه خير من الصمت على أية حال. وعليه فإن عبارة «بلا قافية» ليست سوى «لازمة» تقال بشكل آلي شأنَ كثير من الجمل التي تشكل خطابنا اليومي.هنالك اعتبارات تتعارض مع مبدأ الوضوح والشفافية ومنها المسايرة. فقد تُطرح مشكلة ما على بساط الحوار بحثا عن الحل، وعندما يقترب المتحاورون من تشخيص الأسباب، يدرك شهرزادَ الصباحُ فتسكت عن الكلام «غير» المباح. وهنا يصبح المسكوت عنه أكثر من المصرح به، وقد تتركنا العبارات تائهين في فضاء رمادي، وقد تتحول اللغة من وسيلة إيضاح إلى قناع يعيق الرؤية الصحيحة، وهكذا يتعذر التعبير عن الخلافات، أو حلها عند لقاء الناس وجها لوجه، حيث تعطل روح المسايرة كل شكل من أشكال المعارضة البناءة. فتراوح قضايا كثيرة مكانها في انتظار من يعلق الجرس. وربما اعتبر الهروب من مواجهة الواقع دبلوماسيةً وحكمةً وبعد نظر! ومن الاعتبارات الأخرى التي تتعارض مع مبدأ الوضوح والشفافية، غلبة المصالح الخاصة. ذلك أن الحفاظ على المصالح والامتيازات يقتضي إتقان فن التملق والتزلف والمداهنة والسباحة مع التيار وليس ضده. ويشكل طلب السلامة الشخصية، والخوف من التعرض للإساءة، سببا آخر للسباحة مع التيار، وقد يؤدي ذلك إلى شكل من أشكال التناغم الوهمي أو الزائف. وهو ما يفسر قول الشاعر المعري:«ولما رأيتُ الجهلَ في الناس فاشياً ***تجاهلتُ حتى ظُنّ أني جاهلُ»! ذلك أن الخروج عن التفكير الجمعي أو الرؤية السائدة مكلف في غالب الأحيان. كلما ساد التفكير الجمعي، وطغت الرقابة الاجتماعية، ضعفت تبعا لذلك الفردانية، وفقد الفرد استقلاليته وخصوصيته وحسه النقدي، وأصبح ترسا في الآلة الاجتماعية لا يسأل عن معنى أو هدف دورانه مع باقي التروس الأخرى، وقد تصبح أحكامه الأخلاقية مطابقة لأحكام المجموع. الشفافية والوضوح لا يوصدان باب النقد. فالنقد شكل من أشكال المكاشفة، غير أن هنالك سلسلة طويلة من الحَمِيَّات والعصبيات والرقابة الاجتماعية التي تحول دون تحقيق ذلك. ويمكنك أن تتصور، على سبيل المثال لا الحصر، الصعوبة التي قد تواجه فنانا في مثل هذه البيئة الاجتماعية، إذا ما فُسِّر عمله الفني على أنه نقد لمنطقة أو قبيلة أو جماعة أو طائفة أو لهجة أو مهنة. حتى لو ارتدى ذلك النقد جلباب الكوميديا. ولعل هذا أحد الأسباب المؤدية إلى تراجع الفن، وتخلفه عن أداء دوره كصانع للتحولات الكبيرة. قلة هم الذين لم يسبحوا مع التيار، ولم يقبلوا تمثيل دور «سمكة ميتة» وفقا لوصف الكاتب البريطاني مالكوم ماجريدج الذي يقول: «تذكر دائما أن السمكة الميتة وحدها هي التي تسبح مع التيار»!