هناء مكي

التنمية بين رأس المال الجبان والجريء

منذ دخلت دهاليز صحافة المال والأعمال وأنا أسمع تلك المقولة التي أيقنتها «رأس المال جبان»، القاعدة التي كان يرددها التجار في المحافل والمؤتمرات هي قاعدة عالمية، ولم يتم اختراعها في مجتمعنا، لذا كان نهر الإصلاحات في دولنا سمة بارزة، الهدف منها جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، إذ يتطلب الاستثمار في بلد ما بيئة تتسم بالاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي وكذلك المالي، وبالطبع فإن هذه البيئة تحققها حزمة تشريعات وتلزمها التنفيذ الحازم. لذا، فإن رجال الأعمال حين يستثمرون في مشروع يبدأونه بدراسة «جدوى»، وهي كبحث متقص للمعلومات والسوق ومعرفتها معرفة دلالية؛ حتى يقاس نجاح المشروع الزمني والمكاني بها، معتمدة على المعلومات التي توفرها مصادر حكومية بشكل دقيق، فمعدل كشف البيانات وتحديثها بصورة دورية أمر في غاية الأهمية، ولا يمكن الاستهانة به لتنمية الاستثمارات التي تكون في شتى القطاعات. ومن هنا جاءت أهمية مراقبة المصارف المركزية للشركات المشتركة في سوق الأوراق المالية، والتي تخضع لقوانين وعقوبات لأي مخالفة كتلك التي تندرج تحت مسمى «عدم الافصاح» أو عدم النشر في وسائل الإعلام حتى يكون الجميع على علم بأخبارها كحق تلزم به، لتقع على الفرد كامل المسؤولية في اتخاذ أي قرار يراه مناسباً وفق ما يحصل عليه من معلومات حقيقية، فعملية المكاشفة سواء في البورصات أو القطاعات المختلفة هي «وسادة أمان» للجميع من تجار ومستهلكين وبالتالي للسوق والاقتصاد، وهذا ما يجعل رأس المال أكثر جرأه. بالمقابل، ظهرت لنا أيام الوفرة المالية مشاريع أطلق عليها «رأس المال الجريء»؛ لأنها تذعن للمخاطرة عبر تمويلها للمشاريع الصغيرة ذات الحظوظ القليلة في النجاح أو ذات الفكرة المختلفة، لكنها لم تستمر بعد هبوب رياح الأزمة المالية. شخصياً أعتبر هذا النوع من الدعم هو أفضل أنواع الدعم للمشاريع الصغيرة التي تحتاج للخبرة مع المادة والدخول في شراكة لتعزيز فرص النجاح، إلا أن الدعم من هذه الفعاليات كان انتقائيا وشديد التمحيص، لذا فإني لم أجدها «جريئة» بل متممة لرأس المال «الجبان» والدليل أنها لم يعد لها وجود اليوم، ولم يشكل وجودها فارقاً. واليوم ما زلت أؤكد أن مشاريعنا الصغيرة هي طوق نجاة للاقتصاد النامي، ولكن قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة به خلل كبير وينحسر عنه الدعم ويتسم معظم شبابنا «بالجبن» حين يفكرون تفكير التاجر فيخافون المغامرة. وللعلم، فإن المشاريع الصغيرة تحتاج لعامين حتى تنجح، أي عامين من الدعم الذاتي بدون توقع أرباح وإن حصلت أرباح لا بد أن توضع في سلة الطوارئ ولا تصرف، لذا جل ما يحتاجه أصحاب المشاريع الصغيرة ليس توافر المادة، بل التوعية والمشورة. هذا القطاع سبق وقلنا هو قاعدة للتنمية الاقتصادية وبحاجة «للجرأة» في دعمه وتشجيعه من الحكومة والممولين.