هناء مكي

«الثورة الرابعة» الإرث الثقيل

«الثورة الصناعية الرابعة» تحدث عنها الألمان قبل خمسة أعوام، فهم يعتقدون أن إرهاصاتها بدأت بالفعل، بفضل التطورات التقنية فائقة السرعة والاجهزة الذكية في الحياة العامة. فالألمان الذين يعيشون حياة متطورة قد بدأوا بالفعل استخدام «الروبوتات» الآلية.هذه الثورة التي باتت تشغل الغرب كثيراً يجد فيها محللون وعلماء أنها قد تحدث تغيرات جذرية أكثر من التي أحدثتها الثورة الصناعية الأولى في بريطانيا، والتي مهدت لنظام اقتصادي متكامل بعد أن قادت إرثها من مستعمراتها المنتشرة آنذاك لابتكار مشغلات وآلات بديلة للأيدي العاملة التي رخصت، فظهرت لأول مرة بجانب ذلك اسواق لأنظمة مالية متكاملة، كالبنوك والصرافات، التي ساهمت في عمليات الاقتراض وتحويل الاموال للرعاية البريطانية.في الوقت الذي كانت الآلات والمشغلات تحل محل الأيدي العاملة البشرية، كان لتلك الأيدي وظائف بديلة في القطاعات المبتكرة، فانتقل العامل من الصناعة إلى الخدمات ومن الزراعة إلى الإدارة ومن المهن «الحرفية» إلى المهن «الاشرافية»، ولم تستطع الآلات أن تلغي الوظائف للعاطلين إذاً.بل تطور الوعي مع الثورة الصناعية، التي أسست لأول تواصلا سلكيا حينها، وبدأ العالم أقرب، ليس لكونه في يد مستعمر واحد، بل بفضل مجموعة الاكتشافات التي أخذت مسلكها نحو العالم، ومن مهد الثورة «البريطانية» تشكل الوعي العمالي والمطالب الحقوقية لهم، وبدل أن تلغي الثورة العامل رفعته.انطلقت «الثورة الثانية» من بريطانيا إلى ألمانيا، التي لاتزال تدير الثورات الصناعية في العالم، وتحولت من المشغلات إلى ثورة الكهرباء والشبكات ووسائل الاتصالات وخرجت معتمدة على المعادن والثروة الطبيعية. وفي «الثورة الثالثة» كان كل شيء قد انطلق من الثانية وتطور بسرعة، فمن آلات إلى تطوير تشغيلها، ومن التشغيل اليدوي إلى التشغيل الذاتي، الثورة الثالثة هي التي نعيشها اليوم بدأت وتشكلت وتطورت منذ ذلك الزمن، وكان الخوف سارياً من أن تضيع حقوق العمال في الوظائف، ولكنها استطاعت أن توّلد كذلك قطاعات قائمة بذاتها، ومهنا لم تكن موجودة، ومفهوما جديدا لبعض الأعمال والعقود في سوق العمل، واليوم لدينا السوق الالكترونية بكل تجلياتها.المؤسف حقاً أن كل هذه الثورات مرت بجانبنا وكنا نحن نمولها بلا استحياء، فتلك الثورات كانت عجلاتها هي الوقود، الذي يحرك الآلات ووسائل الاتصال والنقل والتقنيات واليوم الشواحن للأجهزة النقالة من «النفط»، بكل بساطة نحن كمَنْ يعير بقرته على انسان ذكي يستأجرها فيحلبها ليبيع حليبها كمنتج باستخدمات مختلفة لتأتيه بأرباح وفيرة، ونحن نستأنس بالأجرة الزهيدة، ولم نتعلم كيف نحلب البقرة بعد ولا كيف نبتكر حليبا أو نصنع منه حلويات وأكلات.من المؤكد أن الثورة الرابعة، التي تتشكل بين أيدينا ستفوتنا هي الأخرى بلا حول ولا قوة، ونحن لانزال نفاضل ونفاصل في سعر برميل النفط، الذي بات يشكل ضغطاً كبيراً على دخلنا القومي، ويهدد اقتصادنا.