د. حسن العالي

تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص

بناء على قرار قمة الرياض التي عقدت في ديسمبر العام الماضي عقد الأسبوع الماضي اللقاء المشترك بين وزراء التجارة والصناعة الخليجيين وممثلي القطاع الخاص بدول المجلس، حيث تم تدارس الجوانب المشتركة والهموم المتعلقة بالقطاع الخاص ودوره المحوري في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول المجلس بصورة مباشرة مما يبرز أهمية هذه اللقاءات في تداول النقاشات حول القضايا التجارية التي ترتبط بالقطاع الخاص بشكل عام في دول مجلس التعاون. ويمكن النظر لهذا اللقاء أيضا في سياق جهود الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها دول المجلس في الوقت الراهن والتي من بينها زيادة وتوسيع دور القطاع الخاص في التنمية وإعطاؤه دورا أكبر في تحريك عجلة الاقتصاد والبرامج التنموية وذلك للتعويض عن انخفاض الإنفاق الحكومي الناجم عن تراجع الإيرادات النفطية.وإذا كان هذا الهدف متفقا عليه، فان تحقيقه يتطلب بالفعل مثل هذه اللقاءات لبحث الهموم والصعوبات التي يعاني منها القطاع الخاص والمطالب التي يدعو لتحقيقها للنهوض بدوره المأمول.إن تحقيق الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص هو حجر الزاوية من أجل خلق اقتصاد خليجي متنوع وقوي، وبالتالي فان ذلك اللقاء يأتي تأكيدا أيضا لقرار الدورة الخامسة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون والمنعقدة بتاريخ 9 ديسمبر 2014م والخاص بتكليف الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى بدراسة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والاعتماد على القطاع الخاص لتحقيق نماذج من هذه الشراكات، وعلى سبيل المثال تمويل تنفيذ المشروعات التنموية ومشروعات البنية التحتية بنظام والمشروعات التي ينشئها القطاع الخاص والتنازل عن ملكيتها للقطاع العام مع الاحتفاظ بحق استغلالها وتشغيلها لمدة زمنية محددة وعقود التعهد وتشمل عقود التشغيل والإدارة وعقد الخدمات والإيجار.إن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تتطلب توفير قواعد الرقابة والاشراف، والشفافية والإفصاح المحاسبي، وتطبيق المعايير الدولية للأداء ومبادئ حوكمة الشركات، وتوفير الاطار التشريعي للشراكة مع القطاع الخاص، ومشاركة مؤسسات المجتمع المدني، والالتزام بالمسئولية الاجتماعية، والمردود على التنمية الحضرية وتوفير قاعدة بيانات.كما ان النهوض بدور القطاع الخاص يتوجب أيضا البحث في المعوقات التي تقابل أصحاب الأعمال الخليجيين عند ممارستهم الأنشطة المتعلقة بالقطاعين التجاري والصناعي مثل عدم اعتماد الصناعات الخليجية المرور السهل من قبل الجمارك وتطبيق المساواة التامة في معاملة فروع الشركات معاملة الشركات الوطنية بحسب قرار المجلس الأعلى في دورته الحادية والثلاثين في أبو ظبي في ديسمبر 2010 بالسماح للشركات الخليجية بفتح فروع لها في دول مجلس التعاون ومشاركة القطاع الخاص في المفاوضات التجارية وعقد الاتفاقيات الاقتصادية مع الشركاء التجاريين، وتوحيد إجراءات ونظم الاستيراد والتصدير وتوحيد سياسات التبادل التجاري مع العالم الخارجي، كذلك إزالة التمييز في المعاملة وتحقيق مبدأ المواطنة الكاملة في الحصول على القروض والإعانات والحوافز، وتشجيع تأسيس المشروعات المشتركة في المجالات الصناعية المختلفة، وإعطاء التسهيلات الضرورية لهذه المشروعات ومعاملتها كمشروعات وطنية. كما ان تشابه الهياكل الإنتاجية وازدواجية تأسيس الصناعات في دول مجلس التعاون الخليجي واعتماد الصناعة الخليجية على مخرجات الصناعة البتروكيماوية والصناعات المعدنية الأساسية وعدم التنسيق الصناعي بين دول المجلس يعتبر عائقا بوجه تطور دور القطاع الخاص. كذلك محدودية الأسواق الخليجية والمنافسة الحادة التي تواجهها المنتجات الصناعية الوطنية في دول المجلس من المنتجات الأجنبية المماثلة مما يستوجب الالتزام بتطبيق سياسات إتباع أفضلية المشتريات الحكومية للمنتجات الخليجية، مع العمل على إيجاد ضوابط وحوافز مادية لتحسين مستوى الجودة والنوعية.كما ان محدودية تنوع المنتجات والسلع الصناعية القابلة للتبادل التجاري بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعدم وجود حماية للمنتج أو ما يعرف بالملكية الفكرية في بعض دول مجلس التعاون الخليجي يعتبر عائقا آخر بوجه التكامل الصناعي بين القطاع الخاص الخليجي إلى جانب ضعف آليات تسويق المنتجات الخليجية بين مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي يؤدي لقدرة المنتجات الأجنبية على اختراق السوق الخليجي والتأثير على المستهلكين وتأثر المستثمرين الصناعيين الخليجيين.إن تحقيق التنسيق والتكامل الصناعي بين دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن يتم من خلال التوافق بين دول المجلس على وضع إستراتيجية صناعية متكاملة تشتمل على خطط مستقبلية وبرامج لمشاريع كبيرة خليجية مشتركة محددة وفعلية في المجال الصناعي، بحيث توزع هذه المشاريع على دول المجلس وفقا للتخصص والتميز الذي تتصف به كل دولة على حدة، برأس مال حكومي أو خاص أو مختلط بينهما، وتوضيحا لذلك فإنه يمكن على سبيل المثال إنشاء مشاريع صناعية خليجية مشتركة قائمة على مادة الألمنيوم في مملكة البحرين، والبتروكيماويات في السعودية، والتعدين والحديد في قطر، والصناعات البلاستيكية والأسمدة في غيرها وهكذا، مع الاهتمام بأن يكون ذلك مُدخلا لتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة في نفس المجال من خلال إنتاج عمليات صناعية صغيرة لبعض مراحل الإنتاج الكبير، وبما يساهم في زيادة حجم المبادلات الخارجية البينية ورفع القدرة التنافسية في الأسواق الدولية. كما يتطلع القطاع الخاص إلى الإسراع في تحويل النظام (القانون) الاسترشادي الموحد للوكالات التجارية لدول مجلس التعاون الصادر في عام 1993 إلى نظام موحد بما يتماشى مع قرارات المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدورته السادسة والثلاثين المنعقدة خلال ديسمبر 2015 في العاصمة السعودية الرياض. وبالنسبة للمواصفات والمقاييس هناك تفاوت على السلع المنتجة محليا في دول المجلس أو حتى المستوردة من خارج دول المجلس على الرغم من وجود هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. كذلك تأخر تطبيق قانون العلامات التجارية في دول المجلس بسبب عدم اعتماد اللائحة التنفيذية للقانون لأن هناك جوانب عديدة وهامة من القانون يجب أن تفسرها اللائحة التنفيذية.إن تحقيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص بحاجة لجهود متواصلة وتوسيع دائرة التنسيق والتشاور بين ممثليهما لتشمل كافة القطاعات والقضايا، لذلك وفي ظل التوجهات الاقتصادية الراهنة لدول المجلس بات من الضروري تشكيل لجنة تنسيق عليا بين الطرفين تأخذ على عاتقها بحث كافة المستلزمات المتعلقة بتفعيل تلك الشراكة على أكمل وجه.تشابه الهياكل الإنتاجية وازدواجية تأسيس الصناعات يعتبر عائقا بوجه تطور دور القطاع الخاص