خانه التعبير وما كان يقصد!
في حلقة لقاء الشريان بثلاثة مسؤولين كبار رمى بعضهم أحجاراً ثقيلة في المياه الراكدة والجارية، ومنها ما ذكره نائب وزير الاقتصاد عن إفلاس السعودية بعد ثلاث أو أربع سنوات، لو لم تقم بخطة الإصلاح الاقتصادي المتمثلة في برنامج التحول عن الاعتماد على النفط، وما أثاره أيضاً وزير الخدمة المدنية من أن إنتاجية الموظف في المتوسط لا تتعدى ساعة واحدة. ما يهمني في إطار هذه المقالة هو تعقيب نائب وزير الاقتصاد على تصريحه المثير في حلقة إلحاقية لمناقشة بعض أفكار ذلك اللقاء الثلاثي، وأتيحت الفرصة لنائب وزير الاقتصاد للتعليق على فكرته، التي طرحها في اللقاء؛ فقد عقّب قائلاً: ربما خانني التعبير بكلمة قوية، لكن هذا لا يعني أنه ليس عندنا مشكلات جوهرية... إلخ. أخذ يتحدث دون إعطاء فكرة مفيدة عن استمراره في طرحه الأول بقرب البلاد من الإفلاس، لو لم تغير مسارها، أو عدوله عن ذلك الرأي، رغم أنه قدم عبارات تمريضية، بأنه لا يستنكف من التراجع عما يراه خطأ في أي رأي قاله من قبل. وهذه حالة ثقافية استشرت للأسف في ثنايا الجدل العقيم، الذي تحولت إليه كثير من الحوارات، التي يبدأها أحدهم برأي، فإذا فهم الناس منه ما هو واضح من مجمل الفكرة، والسياق الذي وردت فيه، أردف قائلاً: لا ما أقصد كذا.. أنا يمكن ما وضحت فكرتي. أليس المفروض أن توضح فكرتك منذ البداية، أم أن الناس عليهم أن ينتظروا التوضيحات، بعد أن يفهموا، وتقلّب كلامك وتستبعد التأويلات الواضحة، لتسقط على كلامك أشياء لم تقلها في المرة الأولى؟ تذكرت إعلان وزارة الإسكان عن رسوم الأراضي البيضاء؛ إذ وضعت المواعيد الزمنية لتطبيق الرسوم، ونسبة الرسم الذي سيفرض عليها، ومراحل التطبيق. لكن النظام الذي نشرته وسائل الإعلام، ويوجد على بعض المواقع الرسمية والصحفية لا يتضمن المعلومات المهمة، التي ينتظرها المواطنون عن المدن التي ستطبق فيها، وهل ستندرج فيها الأراضي الصغيرة أم لا. فبعد أن ذكرت تلك الأخبار عناوين رئيسية ونقاطاً أخذوها من مسؤولين، أو من اللوائح إن كانت موجودة فعلاً، لكنها (أي اللوائح نفسها) لم تُنشر. ثم بدأ المحررون في تحليلات وتوقعات ليست هي ما يريده القارئ، من أن هذه القرارات قد تُسهم في كذا، وقد تُحدث كذا... وهنا يكمن العجز في صياغة الخبر الصحفي. ومثل ذلك ألاحظه في الإعلان عن مباريات مهمة، مثل نهائي كأس الملك، أو نقل بعض مباريات كأس العالم؛ حيث توضع العناوين الكبيرة والمثيرة، والتفصيلات والسيناريوهات، وكثير من الاحتمالات والتحليلات. وفي المقابل تغيب معلومات مهمة مثل: الزمن الذي تبدأ فيه المباراة، وأحياناً الملعب الذي تقام عليه المباراة أيضاً لا يُذكر، أو القنوات التي تنقلها، لأنهم ربما يظنون أن هذه المعلومات بديهية للمتابعين أو الرياضيين المتحمسين، لكنها ذات أهمية كبيرة في صياغة الخبر. فأهم عناصر الإعلان عن حدث هي: 1 – من أو (ما) الأشخاص أو الأحداث المعنية 2 – أين وقع أو (سيقع)، أو كان أو (سيكون) 3 – متى حدث أو (يحدث) ذلك. ومتى نقصت هذه العناصر، أو كانت ملتبسة أو غير واضحة لمن يطلع على الخبر، فإنه يصبح فاشلاً في الوصول إلى الجمهور الذي يتابع وسيلة الإعلام، أو يريد الحصول على المعلومة المهمة بسرعة. وفي النهاية تدل مثل تلك الحالات من الصياغة على ضعف في تصور الأشياء، وعدم وضوحها في ذهن المنشئ، مما يجعله يفشل في إيصالها إلى المتلقي.