تسبيب الأحكام القضائية (2/3)
تحدثنا في المقال السابق عن بعض الجوانب النظامية لتسبيب الأحكام القضائية، حيث تركز حديثنا في البداية عن ماهية الحكم القضائي وعناصره، وماهية تسبيب الحكم القضائي وأهميته، ونستأنف اليوم الحديث حول هذا الموضوع المهم. واستكمالا لما سبق، يلتزم القاضي بتسبيب الأحكام، وذلك بإظهار المقدِمات التي تؤدي إلى نتائج محددة تترتب عليها، ولكي تأتي هذه النتائج صحيحة ومطابقة للواقع والقانون، فيجب أن تكون هذه المقدِمات صحيحة، حتى تكون الأسباب المنطقية والسائغة، هي الأساس الذي تستند إليه النتيجة. إذ يجب أن تشتمل الأحكام على الأسباب التي بُنيت عليها وإلا كانت باطلة. ويشتمل تسبيب الأحكام على عنصرين أساسيين، أولهما: الأسباب الواقعية، وهي الادعاءات الواردة في طلبات المدعي والمدعى عليه وأسانيدها وأدلتها وبياناتها، فهي تأكيدات وإثباتات تتصل اتصالا وثيقا وقويا بالواقع. وبالتالي فإن القاضي يلتزم بهذا الواقع، وفقا للبنيان القانوني للدعوى على النحو الذي عرضه الخصوم، ولذا فإن القاضي يمتنع عن تأسيس حكمه على وقائع أخرى لم يُثِرها أو يتداعى فيها الخصوم. وثانيهما: الحجج والأدلة الشرعية والنظامية، والتي تعني انطباق القانون على الواقع. وبناء عليه فإن تسبيب الأحكام ليس مجرد إجراء شكليٍ لا بد أن يستوفيه الحكم، بل هو مجموعة من المقدِمات والأسانيد التي تؤدي إلى النتائج التي توصل إليها القاضي في إصداره للحكم. وتتلخص عملية تسبيب الأحكام القضائية في سرد وقائع الدعوى، وطلبات ودفوع الخصوم، واستخلاص الصحيح منها وتقديره بضوابط محددة لا يجوز الخروج عنها - بحسب طبيعة كل نزاع - وإعمال القواعد الشرعية بصدد النزاع المعروض. فيجب مثلا لصحة الحكم القضائي الصادر بالإدانة في قضية جنائية أن تشتمل حيثيات الحكم على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة، بيانا تتحقق فيه أركان الجريمة والظروف التي ارتُكبت فيها والأدلة التي استخلص منها القاضي ثبوت ارتكابِ الجريمة من قِبلِ المتهم. وفي هذا الخصوص يقوم القاضي خلال سرد أسباب حكمه، بتوضيح الظروف التي أحاطت بارتكاب الجريمة في حالة تشديد العقاب أو تخفيفه، ويكفي في هذا الشأن أن يبيِن الحكم الظروف التي اعتمد عليها القاضي في تقديره، وأدت به إلى القيام بإصدار الحكم بتوقيع العقوبة على المتهم. ويُشترط في تسبيب الحكم القضائيِ كذلك أن يتوافر رباط منطقي ووثيق بين أسباب الحكم ومنطوقه. ويحدث تناقض الأسباب مع المنطوق في حال كانت الأسباب التي استند عليها القاضي في إصدار حكمه غير متسقة وغير مترابطة، وتؤدِي في النهاية إلى نتيجة متعارضة ومتناقضة تماما عن تلك التي أوردها منطوق الحكم. وهذا يعني أن النتيجة التي تضمنها الحكم تختلف، ولا تتفق مع أسباب الحكم، بحيث لا يبقى بعدها ما يمكن حمل الحكم عليه، ولا يمكن معه فهمُ الأساس الذي اعتمدت عليه المحكمة في إصدارهذا الحكم. ومن هذا المنطلق فإن القاضي يبتعد عن بناء الحكم على علمه الشخصيِ، أو على الاحتمال والظن والتخمين، ويتبنى منهجا قانونيا سليما يطبِقه على موضوع الدعوى، لكي يقوده في النهاية إلى الحصول على نتائج سليمة مرتبة ترتيبا منطقيا مبنية على أسس وضوابط تربط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها. ويلزم في التسبيب كذلك أن يكون صحيحا وجديا وواضحا، فلا يكفي إبداء أسباب مبهمة أو غامضة أو مجملة أو ناقصة، بل يلزم أن تكون حيثيات الحكم مشتملة على عبارات وألفاظ واضحة وصريحة وكافية، وإلا كان الحكم مشوبا بعيب القصور في التسبيب. وبالتالي فلا بد أن يتضمن الحكم أسبابا صالحة ومتناسقة ومترابطة، من أجل قبول النتيجة التي توصل إليها، والتي بناء عليها أصدر حكمه. ولن يتحقق ذلك إلا بالردِ على دفوع وادعاءات وطلبات الخصوم، وتقديم الجواب الكافي والواضح لكلِ دفع أو طلب أبداه أحد الخصوم أو كلاهما. وسوف نكمل الحديث حول هذا الموضوع في المقال القادم إن شاء الله.