السياسات الاقتصادية المشتركة نقلة نوعية في مسيرة التعاون الخليجي
عقدت هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية اجتماعها الأول في الرياض الأسبوع الماضي، وما يتوجب تسجيله في هذا المجال هو الحديث الواضح والصريح في البيان الصادر عن الاجتماع عن إحداث نقلة نوعية في مسيرة دول التعاون إلى آفاق أرحب ترفع من جودة الحياة في مجملها، وتعزز من فاعلية الاقتصاد الخليجي وقدرته التنافسية والتفاوضية، ومن مكانة ودور دول المجلس في الاقتصاد العالمي. كما أكد كذلك على الحاجة الملحة لمزيد من التطوير في القطاعات الاقتصادية القائمة، بحيث تسهم بصورة أكبر في دفع عجلة النمو الاقتصادي قدماً وتخلق لها روافد ومسارات متعددة إضافة الى المسار الخاص بالقطاع النفطي، وذلك عبر مرونة عالية وقدرة فائقة على استقطاب الاستثمارات ورفع تنافسية قطاعاتها الاقتصادية. وقد تضمن افتتاح الاجتماع كلمة لسمو ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، أكد فيها أن دول المجلس أمامها فرصة كتكتل لتكون أكبر سادس اقتصاد في العالم. وقد تم تحديد عدد من الأولويات الأساسية التي سوف تحظى باهتمام ومتابعة فورية خلال المرحلة المقبلة، يأتي في مقدمتها أولا اتخاذ جميع القرارات والخطوات التنفيذية التي من شأنها الارتقاء بالعمل الاقتصادي الخليجي المشترك، وتحقيق نقلة نوعية في هذا المجال. وثانيا وضع جميع القرارات الاقتصادية التي سبق اتخاذها ولم تنفذ أو نفذت بشكل جزئي موضع التنفيذ الكامل والسريع واعتماد الآليات اللازمة لذلك. وثالثا إجراء مراجعة شاملة للسياسات والبرامج والمبادرات الاقتصادية والتنموية لمجلس التعاون بهدف تطويرها، وضمان كفاءتها، وفاعليتها، وفقاً لأفضل الممارسات الدولية المتبعة. ورابعا: تهيئة جميع العوامل القانونية والهيكلية والمالية والبشرية اللازمة لتطوير البعد الاقتصادي للعمل الخليجي المشترك، والوصول به إلى المستويات المتقدمة التي تم إحرازها في العديد من الميادين والمجالات الأخرى.ولكي تحقق دول المجلس قيام تكتلها الاقتصادي، فإن عليها تسريع خطة التكامل الاقتصادي الخليجي من خلال العمل على تجاوز مرحلة القوانين الاسترشادية والاستراتيجيات البعيدة المدى والقرارات العليا إلى مرحلة آليات وبرامج التنفيذ الملزمة والقرارات التنفيذية لقرارات القمم. والبداية الصحيحة يجب أن تكون بقرار سياسي يعطي صلاحية اتخاذ القرارات وإلزامية تنفيذها في كل ما يخص التكامل الاقتصادي الخليجي والمواطنة الخليجية بيد مؤسسات العمل المشترك الخليجية مثل هيئة الشئون الاقتصادية والتنموية كما هو الحال بالنسبة للتجربة الأوروبية. إن أهمية وجود الهيئة في تأسيس التكتل الاقتصادي تكمن في قيامها بتسريع استكمال محطات التكامل الاقتصادي الرئيسية التي وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف على تأسيس المجلس لا يزال العديد من المتطلبات المتعلقة بها لم تحسم بعد، مثل عدم حسم مواضيع آليات احتساب القيمة الجمركية وصندوق الإيرادات الجمركية وتوزيعه والتعويضات وشهادات المنشأ والقيمة المضافة والمقاييس في حالة الاتحاد الجمركي، إلى جانب القيود غير الجمركية ولا سيما تلك التي تحصل في المنافذ الجمركية التي لا تزال تأخذ حيزا كبيرا من اجتماعات وزراء المالية والاقتصاد والأجهزة المعنية. وبخصوص السوق الخليجية المشتركة فإن الخطوات التي يقع على عاتق الهيئة العمل على تنفيذها عديدة لتحقيق هذا المطلب، حيث لا يزال هدف تكامل أسواق المال الخليجية وفتحها دون قيود في مرحلة الدراسة مما يعني غياب العمق الاستثماري الخليجي أمام مواطني دول المجلس. كذلك بالنسبة لفتح فروع للبنوك التجارية في بعض الدول الأعضاء. كذلك الحال بالنسبة لحرية العمل التجاري حيث ان تأسيس الشركات الخليجية لا يزال بحاجة إلى شريك مواطني، كذلك شرط الإقامة في بعض دول المجلس، علاوة بالطبع على توحيد السياسات التجارية. أما بالنسبة لحرية حركة الأفراد وخاصة في أسواق العمل – وهي شرط آخر لقيام السوق الخليجية المشتركة، فمما لا شك فيه أن دول المجلس حققت خطوات متقدمة في مجال التنمية البشرية، لكن يبرز أمام الهيئة تحديات معدلات البطالة في ظل استضافة 18 مليون عام أجنبي. كما يبرز أمام الهيئة أهمية حماية الاقتصاديات الخليجية من تأثيرات الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية، وذلك بخفض تركز الاستثمارات في الدول الأجنبية التي تواجه مشكلات اقتصادية ومالية خطيرة، والعمل بالمقابل على تنويع استثماراتها والتوجه إلى الدول الصاعدة والنامية، ومن بينها الدول العربية. كما يتوجب رفع مستويات الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الحقيقي كالصناعة. وعلى صلة بالموضوع يتوجب مواصلة جهود تنويع مصادر الدخل من خلال تمكين القطاع الخاص من القيام بدوره المأمول في تعزيز التواصل بين أبناء دول مجلس التعاون وتحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، والعمل على عقد اتفاقيات ثنائية وجماعية بين رجال الأعمال في دول مجلس التعاون، وإنشاء مراكز لهم، بهدف التنسيق والتعاون وتوسيع دائرة العمل المشترك. وإنشاء مراكز لتنمية وترويج الصادرات بغية تنشيط التجارة الخارجية. وتشجيع القطاع الخاص لرفع مستوى جودة السلع والخدمات من خلال اختيار أفضل التقنيات المتوفرة عالميا، وتقليل التكلفة وتخفيض الأسعار، لضمان المنافسة في الأسواق المحلية والدخول إلى الأسواق الخارجية، مما سوف سيكون له مردود إيجابي على المواطنين من حيث توفير فرص أكبر للعمل للمواطنين وتوفير منتجات أعلى جودة وأقل تكلفة. إن حاجة التنمية إلى القطاع الخاص في هذا الوقت بالتحديد ليست حاجة مادية بحتة، ليست حاجة إلى أموال القطاع الخاص فقط، بل إن حاجة التنمية للقطاع الخاص هي الحاجة إلى مفردات القطاع الخاص في العمل وإلى تنمية الاستثمارات بما يتناسب مع معطيات المرحلة وفرص النجاح. وأخيرا، تبرز الحاجة لهيئة الشئون الاقتصادية والتنموية في مجال توحيد المصالح الاقتصادية الخليجية في المفاوضات التجارية والاقتصادية مع العالم الخارجي، ولا سيما الشركاء التجاريين الرئيسيين. ولكي تتحقق الاستفادة الأعلى من هذه الاتفاقيات لا بد من وجود خطوات وجهود خليجية منسقة من أجل خلق قاعدة تصديرية منوعة وواسعة سواء تصدير السلع أو الخدمات فهي وحدها التي تحقق الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة. ويتحقق ذلك من خلال تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في كافة الأنشطة الاقتصادية.إن حاجة التنمية إلى القطاع الخاص في هذا الوقت بالتحديد ليست حاجة مادية بحتة، ليست حاجة إلى أموال القطاع الخاص فقط، بل إن حاجة التنمية للقطاع الخاص هي الحاجة إلى مفردات القطاع الخاص في العمل وإلى تنمية الاستثمارات بما يتناسب مع معطيات المرحلة وفرص النجاح. 