د. طرفة عبدالرحمن

السبات الفكري..

يتشابه الناس أحيانا في اتجاهاتهم نحو الحياة أو بعض القضايا العامة سواء الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية منها؛ لأنهم يعتمدون في طريقة تفكيرهم وتحليلهم للأمور على قوالب فكرية جاهزة معدة مسبقا من المجتمع.. وأبرز عيب يواجه طريقة التفكير «المقولبة» أن الأحكام الصادرة عنها لا تتسم بالموضوعية.. على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن هناك أسلوبا جمعيا في اتجاهات الأفراد نحو القضايا العامة المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي.. فظاهرة نقد المسؤولين بشكل عام طالت معظم آراء الشخصيات الاعتبارية عند أي تصريح يدلون به عبر وسائل الإعلام وفي كل مناسبة.. فيكفي أن يطرح أحدهم مقطعا مصورا لتصريح أحد المسؤولين ويضيف عليه نقدا سلبيا ليتلقف البقية هذا المقطع وينهالوا عليه تهكما وتجريحا!!هذا السلوك ناتج عن تأثر الناس بالصورة الذهنية النمطية للمسؤول في المجتمع، حيث يفترضون فيه السلبية بشكل مطلق ويرون أن ما يتفوه به في أي مناسبة خطأ على الدوام.. ورغم اقرارنا بأن هناك أكثر من نموذج لمسؤول وقع في أخطاء عند إطلالته علينا عبر وسائل الإعلام، إلا أن هذا لا يبرر طريقتنا الدائمة والمتواصلة في نقد كل مسؤول يتعاطى مع وسائل الإعلام.. فهذا له آثار خطيرة على عدة أصعدة، فمن جهة هو يقلل من هيبة مسؤولينا أمام الملأ داخليا وخارجيا، ويعطي افتراضا وإيحاء جمعيا بأنهم غير أكفاء وهذا فيه تجنٍ وعدم مصداقية، ومن جهة أخرى يخلق هذا الوضع عزوف الجهات والمؤسسات والمسؤولين عن التعاطي مع وسائل الإعلام؛ خشية وقوعهم في خنادق النقد الجائر أو تجعلهم يتعاملون معها بحذر شديد ويخفون بعض الحقائق؛ تحسبا من فهمها بطريقة خاطئة من الجمهور..والقضية بشكل عام لا تقف هنا؛ إنما تكمن في ان الجماهير تتأثر باتجاهات بعضها وتقلدها، وتنصاع في رأيها أحيانا إلى نخبة مشاهير توجه طريقة نقدها وتفكيرها.. وليس من الإنصاف ولا الأخلاق أن يكون ديدن الفكر عندنا قائما على النقد السلبي غير الموضوعي.. بل ان القضية الفكرية عندنا في المجتمع لا يجب أن تكون مسجونة في قوالب يشكلها العقل الجمعي غير المنطقي؛ ذلك العقل الذي يعطي آراءه بناء على أحكام مسبقة.. هذا النوع من التفكير هو الذي خلق الصورة الذهنية النمطية عن بعض قضايا المجتمع، كتلك المتعلقة على سبيل المثال بالمرأة أو المسؤول أو الإعلام وغيرها.. ليس للعلم والفكر والإعلام قيمة إن لم يكسب الأفراد القدرة على التحليل المنطقي والنقد الموضوعي لكل قضاياهم الاجتماعية والنفسية والفكرية، ليس للثقافة الفكرية قيمة ان لم تعط افرادها ادوات التحليل الواعي والاستقراء المنطقي وتجعل ديدنهم الفكري قائما عليها.. ليس للأخلاق والتربية قيمة ان لم تكسب أفرادها مفاهيم الإنصاف والنقد المهذب.. الأحكام المسبقة في طريقة التقييم والحكم المسبق على الأشخاص أو الحقائق قبل التثبت منها وفهمها هي من سمات المشلولين فكريا أو المؤجرين عقولهم لقوالب الفكر الجمعي.. ولا أسوأ من ان تعاني سباتا فكريا توقظك منه صدمات وتغيرات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الصارخة في الوقت الذي وهبت فيه عقلا قادرا على التفكير والاستقلالية والفهم وإدراك الأمور في حينها.. لن تحترم ماضيك الفكري ولا حاضرك ان لم تقف فيه بتأنٍ مع تحليل منطقي لمعظم قضاياك الاجتماعية الخاصة وقضايا مجتمعك العامة، بعيدا عن مؤثرات الآخرين.